رئيس الجمهورية
قرر مجلس الشعب ووافق مجلس الشورى على القانون الآتي نصه ، وقد أصدرناه : ( المادة الأولى ) يعمل بأحكام القانون المرافق في شأن المحاكم الاقتصادية ، ولا يسري في شأنه أي حكم يخالف أحكامه . ( المادة الثانية ) تحيل المحاكم من تلقاء نفسها ما يوجد لديها من منازعات ودعاوى أصبحت بمقتضى أحكام القانون المرافق من اختصاص المحاكم الاقتصادية وذلك بالحالة التي تكون عليها وبدون رسوم ، وفي حالة غياب احد الخصوم يقوم قلم الكتاب بإعلانه بأمر الإحالة مع تكليفه بالحضور في الميعاد أمام المحكمة التي تحال إليها الدعوى . وتفصل المحاكم الاقتصادية فيما يحال إليها تطبيقا لأحكام الفقرة السابقة دون عرضها على هيئة التحضير المنصوص عليها في المادة 8 من القانون المرافق . ولا تسري أحكام الفقرة الأولى على المنازعات والدعاوى المحكوم فيها ، أو المؤجلة للنطق بالحكم قبل تاريخ العمل بهذا القانون ، وتبقى الأحكام الصادرة فيها خاضعة للقواعد المنظمة لطرق الطعن السارية في تاريخ صدورها . (المادة الثالثة) تستمر محكمة النقض ومحاكم الاستئناف والدوائر الاستئنافية في المحاكم الابتدائية في نظر الطعون المرفوعة أمامها ، قبل تاريخ العمل بهذا القانون ، عن الأحكام الصادرة في المنازعات والدعاوى المشار إليها في الفقرة الأولى من المادة الثانية . (المادة الرابعة) تطبق أحكام قوانين الإجراءات الجنائية ، وحالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض ، والمرافعات المدنية والتجارية والإثبات في المواد المدنية والتجارية ، وذلك فيما لم يرد بشأنه نص خاص في القانون المرافق . (المادة الخامسة) يصدر وزير العدل القرارات اللازمة لتنفيذ أحكام القانون المرافق . (المادة السادسة) ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية ، ويعمل به اعتبارا من أول أكتوبر سنة 2008 . يبصم هذا القانون بخاتم الدولة ، وينفذ كقانون من قوانينها . صدر برئاسة الجمهورية في 17 جمادى الأولى سنة 1429 هـ . (الموافق 22 مايو سنة 2008 ) حسني مبارك قانون المحاكم الاقتصادية مادة 1 تنشأ بدائرة اختصاص كل محكمة استئناف محكمة تسمى المحكمة الاقتصادية يندب لرئاستها رئيس بمحاكم الاستئناف لمدة سنة قابلة للتجديد بقرار من وزير العدل بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى ،ويكون قضاتها من بين قضاة المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف ، يصدر باختيارهم قرار من مجلس القضاء الأعلى. وتتشكل المحكمة الاقتصادية من دوائر ابتدائية ودوائر استئنافية ، ويصدر بتعيينمقار هذه الدوائر قرار من وزير العدل بعد أخذ رأى مجلس القضاء الأعلى. وتنعقد الدوائر الابتدائية والاستئنافية المنصوص عليها في الفقرة السابقة فيمقار المحاكم الاقتصادية ، ويجوز أن تنعقد ، عند الضرورة ، في أي مكان آخر وذلكبقرار من وزير العدل بناء على طلب رئيس المحكمة الاقتصادية. مادة 2 تشكل كل دائرة من الدوائر الابتدائية الاقتصادية من ثلاثة من الرؤساء بالمحاكمالابتدائية . وتشكل كل دائرة من الدوائر الاستئنافية من ثلاثة من قضاة محاكم الاستئناف يكونأحدهم على الأقل بدرجة رئيس بمحكمة الاستئناف. مادة 3 تعين الجمعية العامة للمحكمة الاقتصادية، في بداية كل عام قضائي ، قاضيا أوأكثر من قضاتها بدرجة رئيس بالمحاكم الابتدائية من الفئة (أ) على الأقل، ليحكم ،بصفة مؤقتة ومع عدم المساس بأصل الحق، في المسائل المستعجلة التي يخشى عليها منفوات الوقت والتي تختص بها تلك المحكمة. ويصدر القاضي المشار إليه في الفقرة الأولى الأوامر على عرائض والأوامرالوقتية ، وذلك في المسائل التي تختص بها المحكمة الاقتصادية. كما يصدر ، وأيا كانت قيمة الحق محل الطلب، أوامر الأداء في تلك المسائل، وفىحالة امتناعه يحدد جلسة لنظر الدعوى أمام إحدى الدوائر الابتدائية أوالاستئنافية بالمحكمة، بحسب الأحوال. مادة 4 – تختص الدوائر الابتدائية والاستئنافية بالمحاكم الاقتصادية، دون غيرها ، نوعياومكانيا بنظر الدعاوى الجنائية الناشئة عن الجرائم المنصوص عليها في القوانينالآتية : 1 - قانون العقوبات في شأن جرائم التفالس. 2 - قانون الإشراف والرقابة على التأمين في مصر. 3 - قانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئوليةالمحدودة. 4 - قانون سوق رأس المال. 5 - قانون ضمانات وحوافز الاستثمار. 6 - قانون التأجير التمويلي. 7 - قانون الإيداع والقيد المركزي للأوراق المالية. 8 - قانون التمويل العقاري. 9 - قانون حماية حقوق الملكية الفكرية. 10 - قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد. 11 - قانون الشركات العاملة في مجال تلقى الأموال لاستثمارها. 12 - قانون التجارة في شأن جرائم الصلح الواقي من الإفلاس. 13 - قانون حماية الاقتصاد القومي من الآثار الناجمة عن الممارسات الضارة فىالتجارة الدولية. 14 - قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية. 15 - قانون حماية المستهلك. 16 - قانون تنظيم الاتصالات. 17 - قانون تنظيم التوقيع الالكتروني وإنشاء هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات. مادة 5 – تختص الدوائر الابتدائية بالمحاكم الاقتصادية بنظر قضايا الجنح المنصوص عليهافي القوانين المشار إليها في المادة (4) ويكون استئنافها أمام الدوائر الاستئنافيةبالمحاكم الاقتصادية، على أن تسرى على الطعون في الأحكام الصادرة من الدوائرالابتدائية بالمحاكم الاقتصادية في مواد الجنح والمخالفات والمواعيد والإجراءات ،وأحكام النفاذ المعجل المقررة في قانون الإجراءات الجنائية. وتختص الدوائر الاستئنافية بالمحاكم الاقتصادية بالنظر ابتداء في قضاياالجنايات المنصوص عليها في المادة السابقة. مادة 6 – فيما عدا المنازعات والدعاوى التي يختص بها مجلس الدولة، تختص الدوائرالابتدائية بالمحاكم الاقتصادية، دون غيرها، بنظر المنازعات والدعاوى، التيلا تجاوز قيمتها خمسة ملايين جنيه، والتي تنشأ عن تطبيق القوانين: 1 - قانون الشركات العاملة في مجال تلقى الأموال لاستثمارها. 2 - قانون سوق رأس المال. 3 - قانون ضمانات وحوافز الاستثمار. 4 - قانون التأجير التمويلي. 5 - قانون حماية الاقتصاد القومي من الآثار الناجمة عن الممارسات الضارة فيالتجارة الدولية. 6 - قانون التجارة في شأن نقل التكنولوجيا والوكالة التجارية وعمليات البنوك والإفلاس والصلح الواقي منه . 7 - قانون التمويل العقاري. 8 - قانون حماية حقوق الملكية الفكرية. 9 - قانون تنظيم الاتصالات. 10 - قانون تنظيم التوقيع الالكتروني وإنشاء هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات. 11 - قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية. 12 - قانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئوليةالمحدودة. 13 - قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد. وتختص الدوائر الاستئنافية في المحاكم الاقتصادية ، دون غيرها ، بالنظر ابتداءفي كافة المنازعات والدعاوى المنصوص عليها في الفقرة السابقة إذا جاوزتقيمتها خمسة ملايين جنيه أو كانت غير مقدرة القيمة. مادة 7 – تختص الدوائر الابتدائية بالحكم في منازعات التنفيذ الوقتية والموضوعية عنالأحكام الصادرة من المحاكم الاقتصادية ، وتلك التي يصدرها القاضي المشار إليه فيالمادة (3) ويطعن في الأحكام الصادرة منها أمام الدوائر الاستئنافية بالمحكمة. ويختص رؤساء الدوائر الابتدائية بالمحاكم الاقتصادية بإصدار القراراتوالأوامرالمتعلقة بالتنفيذ. ويكون الاختصاص بالفصل في التظلمات من هذه القرارات والأوامر للدائرةالابتدائية بالمحاكم الاقتصادية، على ألا يكون من بين أعضائها من أصدر القرار أوالأمر المتظلم منه. مادة 8 – تنشأ بكل محكمة اقتصادية هيئة لتحضير المنازعات والدعاوى التي تختص بها هذهالمحكمة، وذلك فيما عدا الدعاوى الجنائية والدعاوى المستأنفة والدعاوى والأوامرالمنصوص عليها في المادتين (3) و (7)من هذا القانون. وتشكل هيئة التحضير برئاسة قاض من بين قضاة الدوائر الاستئنافية بالمحكمةالاقتصادية على الأقل وعضوية عدد كاف من قضاتها بدرجة رئيس محكمة أو قاضبالمحكمة الابتدائية تختارهم جمعيتها العامة في بداية كل عام قضائي ، ويلحق بهاالعدد اللازم من الإداريين والكتابيين. وتختص هيئة التحضير، بالتحقق من استيفاء مستندات المنازعات والدعاوى، ودراسةهذه المستندات، وعقد جلسات استماع لأطرافها، وإعداد مذكرة بطلبات الخصوموأسانيدهم، وأوجه الاتفاق والاختلاف بينهم ، وذلك خلال مدة لا تجاوز ثلاثين يومامن تاريخ قيد الدعوى.ولرئيس الدائرة المختصة أن يمنح الهيئة بناء على طلب رئيسها مدة جديدة للتحضير لا تجاوز ثلاثين يوما وإلا تولت الدائرة نظر الدعوى . وتتولى الهيئة بذل محاولات الصلح بين الخصوم وتعرضه عليهم، فإذا قبلوه، رفعتمحضرا به موقعا منهم إلى الدائرة المختصة لإلحاقه بمحضر جلسة نظر الدعوى والقضاءفيها وفق أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية. وللهيئة أن تستعين في سبيل أداء أعمالها بمن ترى الاستعانة بهم من الخبراءوالمتخصصين . ويحدد وزير العدل ، بقرار منه، نظام العمل في هذه الهيئة وإجراءات ومواعيدإخطار الخصوم بجلسات التحضير وإثبات وقائع هذه الجلسات. مادة 9 – للدوائر الابتدائية والدوائر الاستئنافية بالمحاكم الاقتصادية ، أن تستعين برأيمن تراه من الخبراء المتخصصين المقيدين في الجداول التي تعد لذلك بوزارة العدل،ويتم القيد في هذه الجداول بقرار من وزير العدل بناء على الطلبات التي تقدم من راغبي القيد أو ممن ترشحهم الغرف والاتحادات والجمعيات وغيرها من المنظماتالمعنية بشئون المال والتجارة والصناعة . ويصدر بشروط وإجراءات القيد والاستعانة بالخبراء المقيدين بالجداول قرار منوزير العدل.وتحدد هذه الدوائر،بحسب الأحوال ، الأتعاب التي يتقاضاها الخبير ، وذلك وفقا للقواعدوالإجراءات التي يصدر بها قرار من وزير العدل. مادة 10 – يكون الطعن في الأحكام الصادرة من الدوائر الابتدائية بالمحاكم الاقتصادية أمامالدوائر الاستئنافية بتلك المحاكم دون غيرها. ويكون الطعن في الأحكام والتظلم من الأوامر الصادرة من القاضي المنصوص عليه فيالمادة (3) من هذا القانون أمام الدوائر الابتدائية بالمحاكم الاقتصادية دونغيرها. ومع مراعاة أحكام المادة (5) من هذا القانون يكون ميعاد استئناف الأحكامالصادرة في الدعاوى التي تختص بها الدوائر الابتدائية بالمحكمة الاقتصادية أربعينيوما من تاريخ صدور الحكم،وذلك فيما عدا الأحكام الصادرة في المواد المستعجلة،والطعون المقامة من النيابة العامة. مادة 11 – فيما عدا الأحكام الصادرة في مواد الجنايات والجنح ، والأحكام الصادرة ابتداء منالدوائر الاستئنافية بالمحكمة الاقتصادية،لا يجوز الطعن في الأحكام الصادرة منالمحكمة الاقتصادية بطريق النقض.دون إخلال بحكم المادة 250 من قانون المرافعات المدنية والتجارية . مادة 12 – تشكل بمحكمة النقض دائرة أو أكثر تختص، دون غيرها، بالفصل في الطعون بالنقض فيالأحكام المنصوص عليها في المادة (11) من هذا القانون . كما تنشأ بمحكمة النقض دائرة أو أكثر لفحص تلك الطعون،تتكون كل منها من ثلاثةمن قضاة المحكمة بدرجة نائب رئيس على الأقل ، لتفصل، منعقدة في غرفة المشورة ، فيمايفصح من الطعون عن عدم جوازه أو عن عدم قبوله لسقوطه. ويعرض الطعن،فور إيداع نيابة النقض مذكرة برأيها،على دائرة فحص الطعون ، فإذا رأتأن الطعن غير جائز أو غير مقبول،للأسباب الواردة في الفقرة السابقة،أمرت بعدمقبوله بقرار مسبب تسبيبا موجزا ، وألزمت الطاعن المصروفات فضلا عن مصادرة الكفالةإن كان لذلك مقتضى ، وإذا رأت أن الطعن جدير بالنظرأحالته إلى الدائرة المختصة مع تحديد جلسة لنظره. وفى جميع الأحوال لا يجوز الطعن في القرار الصادر من دائرة فحص الطعون بأي طريق. واستثناء من أحكام المادة (39) من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض،وأحكام الفقرة الثانية من المادة (269) من قانون المرافعات المدنية والتجارية ، إذاقضت محكمة النقض بنقض الحكم المطعون فيه حكمت في موضوع الدعوى ولو كان الطعن لأولمرة. |
الثلاثاء، 30 يونيو 2015
قانون 120لسنه2008 الخاص بالمحاكم الاقتصاديه
تعريف القانون التجاري
تعريف القانون التجاري
جرى الفقة على تعريف القانون التجاري بأنه ذلك الجزء من القانون الخاص الذي يحكم الأعمال التجارية، ونشاط التجار في ممارسة تجارتهم.
وطبقًا للتقسيم التقليدي للقانون إلى قانون عام وقانون خاص، فإن القانون التجاري يأخذ مكانه بين فروع القانون الخاص، والقانون التجاري بهذا التعريف لا ينظم إلا فئة معينة من الأعمال هي الأعمال التجارية ولا ينطبق إلا على طائفة معينة من الأشخاص هم التجار، وهو لذلك أضيق نطاقًا من القانون المدني الذي يعتبر مثابة الشريعة العامة والمتضمن للقواعد القانونية التي تحكم بحسب الأصل الروابط القانونية بين الأفراد بصرف النظر عن صفاتهم وطبيعة أعمالهم.
وتعبير قانون تجاري Commercial Law مشتق في الأصل من كلمة تجارة Commerce، إلا أن لهذه الكلمة في المفهوم القانوني معنى يختلف عن معناها في المفهوم الإقتصادي، إذ هي لا تشمل في هذا المفهوم الأخير سوى العمليات المتعلقة بتداول الثروات وتوزيعها في حين أنها تشمل في المفهوم الأول زيادة على ذلك العمليات المتعلقة بالصناعة، ومفاد ذلك أن للتجارة في مفهوم القانون معنى أوسع وأشمل من معناها لدى علماء الإقتصاد إذ أنه لا يفرق – على عكس هؤلاء – بين التجارة والصناعة، فكل رب صناعة هو تاجر قانونًا.
أسباب وجود القانون التجاري
يمكن تبرير وجود قانون خاص بالتجارة ومستقل عن القانون المدني بما ينطوي عليه هذا القانون من قواعد تيسر سرعة إبرام الصفقات التجارية وتدعم الإئتمان وتقوي ضماناته.
أولاً – السرعة:
السرعة هي روح التجارة، إذ بخلاف الشخص غير التاجر الذي يشتري البضاعة ليستهلكها أو ليحتفظ بها وبالتالي لا يقدم على التصرف إلا بعد تروٍ وتبصر ووزن للأمور من كافة الأوجه، فإن التاجر سعيًا وراء تحقيق الكسب والإستفادة من تقلبات الأسعار وتفاديًا لتلف البضائع يقوم في كل يوم بإبرام العديد من العمليات التجارية، من هنا كانت حاجته إلى قواعد تتفق وطبيعة النشاط الذي يمارسه اي إلى قواعد أكثر مرونة وأقل شكلية من قواعد القانون المدني وذلك سواء فيما يتعلق بإبرام التصرفات القانونية واثباتها وحل ما قد ينشأ عنها من خلافات أو فيما يتعلق بتداول الحقوق التجارية.
لذلك كان من بين أهم قواعد القانون التجاري تلك القاعدة التي تقضي بحرية الإثبات في المواد التجارية، وطبقًا لهذه القاعدة يجوز اثبات التصرفات القانونية بكافة الوسائل بما في ذلك الكتابة وشهادة الشهود والقرائن والدفاتر التجارية والمراسلات والفواتير. وحرية الإثبات في المراسلات التجارية مبدأ مسلم به حتى في الدول التي تستلزم قوانينها للإثبات في المواد المدنية كتابة التصرف القانوني متى تجاوز نصابًا معينًا أو كان غير محدد القيمة.
ويترتب على حرية الإثبات في هذه المواد التجارية نتيجة بالغة الأهمية بالنسبة للتجار ألا وهي جواز ابرام الصفقات التجارية عن طريق الإتفاقات الشفهية والهاتف والبرق والتلكس.
كذلك تهتم قواعد القانون التجاري بإنهاء الخلافات المترتبة على التجارة بسرعة وبواسطة أشخاص يتوافر لديهم الإلمام بالبيئة التجارية وبقوانينها، لذلك تشجع معظم التشريعات التجارية اللجوء إلى التحكيم وتعنى في نفس الوقت بتنظيم قضاء يتخصص في المواد التجارية.
ومن مظاهر اهتمام القانون التجاري بالسرعة اهتمامه بتبسيط اجراءات تداول الحقوق الثابتة في الصكوك التجارية وهي الكمبيالة والسند الإذني والشيك، فهو يقضي بانتقال الحقوق الثابتة في هذه الصكوك بالتسليم إذا كانت لحاملها، وبالتظهير إذا كانت إذنيه، وذلك خلافًا لحوالة الحقوق الشخصية التي تستلزم في القانون المدني اتباع اجراءات معينة.
ولكن ليس معنى ذلك أن القانون التجاري خال من الشكلية، فالشركات التجارية والأوراق التجارية مثلاً تخضع لقواعد شكلية خاصة، ومع ذلك فالرأي متفق لدى شراح القانون التجاري على أن الشكلية في القانون التحاري لا تعدو أن تكون مظهرًا من مظاهر التبسيط والسرعة التي يكفلها هذا القانون إذ هي تسمح بمجرد الإطلاع على الشكل الذي يفرغ فيه التصرف، بمعرفة طبيعته وفحواه وبالتالي استبعاد كل خلال حول تكوني التصرف وتفسيره وشروطه.
ثانيًا – الإئتمان:
يهتم القانون التجاري بالائتمان اهتمامًا بالغًا ويتمثل الائتمان في منح المدين أجلاً للوفاء، فالتاجر غالبًا ما يحتاج إلى فترة زمنية أي إلى أجل للوفاء ولتنفيذ تعهداته، إذ هو كثيرًا ما يقوم بشراء بضائع جديدة قبل أن يتمكن من قبض ثمن البضاعة المبيعة أو من تصريفها بكاملها، ومن هنا تأتي أهمية الائتمان في الحياة التجارية وبالتالي أهمية القانون التجاري، فهو القانون الذي يحتوي على مجموعة القواعد والأنظمة التي تعنى بخلق أدوات الائتمان ومؤسساته كنظام الأوراق التجارية ونظام البنوك والشركات وفي نفس الوقت بتدعيمه وحمايته كنظام الإفلاس.
وهكذا يتضح أن السرعة والإئتمان هما أساس ومبرر وجود القانون التجاري وبالتالي استقلاله عن القانون المدني.
تحديد نطاق القانون التجاري
يقصد بتحديد نطاق القانون التجاري تحديد دائرة ومجال تطبيقه، فالقانون التجاري ليس إلا شريعة خاصة تقوم إلى جوار الشريعة العامة، لذا لزم أن يرسم بدقة ووضوح مجال تطبيقه.
وإذا نحن نظرنا إلى التشريعات التجارية في الدول الأخرى نجد أنها تتردد – عند تحديدها لدائرة القانون التجاري – بين نظريتين: تعرف الأولى بإسم النظرية الذاتية أو الشخصية Subjective Theory والثانية باسم النظرية الموضوعة أو المادية Objective Theory ويحسن بنا أن نعرف بإيجاز هاتين النظريتين:
أولاً: النظرية الذاتية أو الشخصية
تتخذ هذه النظرية من صفة القائمة بالعمل أساسًا لتحديد نطاق القانون التجاري. فالقانون التجاري وفقًا لهذه النظرية هو القانون الذي يحكم التجار عند ممارسة مهنتهم أو حرفتهم التجارية. لذلك تعنى هذه النظرية بتعريف التاجر وفي نفس الوقت بتحديد المهن أو الحرف التجارية.
أما غير التجار فلا شأن للقانون التجاري بهم حتى ولو قاموا ببعض الأعمال أو الحرف التي يعتبرها القانون تجارية طالما أن مباشرتهم لها لم تصل إلى درجة الإحتراف. فمن يقوم بشراء بضاعة لأجل بيعها وتحقيق الربح لا يعتبر تاجرًا ولا يخضع لأحكام القانون التجاري طلما أنه لم يتخذ من شراء السلع وإعادة بيعها بقصد الربح حرفة له. فمثل هذا الشخص يظل خاضعًا لأحكام الشريعة العامة، أي لأحكام القانون المدني.
ويؤخذ على هذه النظرية أنها تستلزم حصرًا للحرف التجارية أو على الأقل تصنيفًا قانونيًا لها الأمر الذي ليس باليسير إذ يتطلب ذلك الرجوع إلى عادات غير مستقرة وغير واضحه.
كما يعاب عليها أنها تؤدي إلى حرمان الأشخاص الذين لا يحترفون التجارة من أن يستخدموا قواعد القانون التجاري وأن يستفيدوا من مزاياه. أما ما قيل من أن هذه النظرية تؤدي إلى استغراق الحرفة لحياة التاجر، مع أن للتاجر – كسائر الأفراد – حياته المدنية ولا محل لأن تخضع أعماله الغريبة على التجارة لأحكام القانون التجاري. فإننا نلاحظ أن منطق النظرية لم يقض بتطبيق أحكام القانون التجاري على جميع أعمال التاجر وتصرفاته بل يقصر هذا التطبيق على النشاط المهني لمن يحترف التجارة.
وقد كانت النظرية الشخصية أو الذاتية أساس القانون التجاري عند ميلاده وفي بداية حياته، فقد ولد هذا القانون في القرون الوسطى كقانون خاص بطبقة التجار ومقصور عليها، ويأخذ بهذه النظرية في الوقت الحاضر القانون الألمان والقانون السويسري والقانون الإيطالي.
ثانيا: النظرية الموضوعية أو المادية
على عكس النظرية الشخصية تتخذ النظرية الموضوعية من طبيعة العمل أساسا لتحديد نطاق القانون التجاري. فالقانون التجاري طبقا لهذه النظرية هو قانون الأعمال التجارية. أي تلك المجموعة من الأعمال التي ينص القانون على اعتبارها تجارية بصرف النظر عن صفة أو حرفة القائم بها. فشراء بضاعة معينة بقصد إعادة بيعها وتحقيق الربح من فروق الأسعار يعتبر طبقًا لهذه النظرية عملا تجاريًا سواء كان القائم بالعمل شخصًا يحترف هذا النوع من الأعمال أم لا.
ومعنى ذلك أن هذه النظرية في تحديدها لدائرة القانون التجاري لا تنظر إلى مهنة أو صفة القائم بالعمل بل إلى العمل ذاته وما إذا كان من بين الأعمال التي ينص عليها القانون على اعتبارها تجارية. وكثيرا ما يهتدي القانون في تحديده للأعمال التجارية بالهدف من هذه الأعمال كالشراء لأجل البيع أو بموضوعها كعمليات البنوك أو بشكلها كالكمبيالة.
والتاجر طبقُا لهذه النظرية هو الشخص الذي يحترف القيام بالأعمال التجارية وهي لا تعتد بصفة التاجر إلا لكي تخضع من يكتسبها لبعض الأحكام الخاصة كامساك الدفاتر التجارية والقيد في السجل التجاري والخضوع لنظام الإفلاس واشهار النظام المالي للزواج.
ويؤخذ على هذه النظرية أنها تتطلب حصر الأعمال التجارية وتعدادها وهذا أمر عسير إذا لم يكن مستحيلاً في مجال متغير ومتطور كمجال التجارة. صحيح أن هذه المأخذ يمكن توجيهه أيضا إلى النظرية الشخصية التي تتطلب بدورها الحصر والتعداد للحرف التجارية، إلا أنه من الثابت اليوم أن حصر الحرف التجارية أسهل وايسر من حصر الأعمالالتجارية. وبالمقابل فإنها تمتاز بتوسيعها لدائرة تطبيق أحكام القانون التجاري وإن كان القضاء قد حد من هذه الميزة وذلك بتوسعه في تطبيق نظرية المدنية بالتبعية أي تلك النظرية التي تؤدي إلى فقدان العمل الصفة التجارية متى كان ضروريًا لممارسة المهنة المدنية.
العرف التجاري والعادات التجارية
يقصد بالعرف كمصدر من مصادر القانون مجموعة القواعد غير المكتوبة التي تنشأ من اطراد سلوك الأفراد في مسألة معينة على وجه معين مع اعتقادهم في إلزامها وضرورة احترامها.
وعليه فإن العرف التجاري ليس إلا مجموعة القواعد التي تعارف عليها التجار في تنظيم معاملاتهم التجارية مع شعورهم بإلزامها وضرورة اتباع أحكامها. وللعرف أهمية خاصة في المعاملات التجارية، فقد رأينا أن الغالبية الساحقة من قواعد القانون التجاري نشأت كعادات وأعراف درج عليها التجار قبل أن تصبح بصوصًا مكتوبة. وعلى الرغم من دخول القانون التجاري مرحلة التقنين ووفرة النصوص التشريعية في العصر الحديث، فلا يزال العرف يقوم بدور لا يمكن إغفاله في تكوين القانون التجاري وتطوير أحكامه. بل أن بعض النظم التجارية كالبيوع البحرية والحسابات الجارية والإعتمادات المستندية لا تزال محكومة بقواعد عرفية بحتة. كما أن هناك العديد من القواعد العرفية التجارية لم تدون بعد في نصوص تشريعية ومن أمثلتها افتراض التضامن بين المدينين بدين تجاري في حالة تعددها وذلك خلافا للقاعدة المدنية التي تقضي بعدم افتراض التضامن، والإكتفاء في البيع التجاري بانقاص الثمن دون الفسخ إذا ما قدم البائع للمشتري بضاعة أقل جودة من الصنف المتفق عليه، وقاعدة تطهير الدفوع في مواجهة حامل الورقة التجارية حسن النية.
والعرف قد يكون خاصا بمكان معين أو بتجارة معينة وقد يكون عاما متبعا في الدولة بأسرها وسائدا في جميع المعاملات التجارية، والعرف الخاص يغلب على العرف العام. وكثيرًا ما يكون العرف التجاري دوليًا كما هو الشأن في المسائل البحرية.
وفي حالة قيام تعارض بين النصوص التجارية والعرف التجاري، فلا صعوبة في الأمر إذ يجب دائما تغليب النصوص التجارية الآمرة على العرف، وهذا الأخير على النصوص التجارية المفسرة.
نظرية الأعمال التجارية والتاجر
أولاً – أهمية التفرقة بين العمل التجاري والعمل المدني
ترجع أهمية التفرقة بين العمل التجاري والعمل المدني إلى أن القانون قد خص العمل التجاري – في ذاته وبصرف النظر عن صفة القائم به – ببعض الأحكام التي تختلف سواء من حيث قواعد الإختصاص القضائي وقواعد الإثبات أم من حيث القواعد الموضوعية المتعلقة بالإلتزامات عن القواعد التي تحكم العمل المدني. وتعرف هذه الأحكام عادة بإسم النظام القانوني للأعمال التجاري.
الإختصاص القضائي
يوجد في بعض البلاد كفرنسا قضاء خاص بالمنازعات المتعلقة بالأعمال التجارية يعرف بإسم القضاء التجاري، ويشترك في هذا القضاء أعضاء من التجار تنتخبهم الغرفة التجارية. ولا شك في أن تمثيل التجار في القضاء التجاري قصد من ربط هذا القضاء بالواقع العملي فالتجار أدرى من غيرهم بأعراف التجارة ومقتضياتها، وليس أدل على نجاح هذا النوع من القضاء في فرنسا انتشاره في جميع أرجاء البلاد وتقدر المحاكم التجارية حاليًا بنحو مائتين وثلاثين محكمة.
ولكن ما هو المعيار الذي يسترشد به القاضي للكشف عن تجارية بعض الأعمال الإقتصادية التي لم ينص عليها القانون. لقد اختلف الفقهاء حول تحديد هذا المعيار، فأسسه البعض على اعتبارات اقتصادية بينما أرجعه البعض الآخر إلى أسس قانونية. وأهم المعايير الإقتصادية نظرية المضاربة ونظرية التداول، وأهم المعايير القانونية نظرية الحرفة ونظرية المشروع أو المقاولة.
المعايير الإقتصادية
تعتمد هذه النظرية في تحديدها لماهية العمل التجاري على فكرة المضاربة أي السعي إلى تحقيق الربح المادي، فالمضاربة من سمات التجارة التي تسمح بتمييزها عن المهنة المدنية. والمضاربة تشمل حسب هذه النظرية كل ما من شأنه تحقيق منفعة مادية ولا تقتصر على الأعمال التي تنطوي على الصدفة والمخاطرة وحدها.
وقد أخذ القضاء الفرنسي بهذه النظرية في العديد من أحكامها كما طبقها المشرع نفسه حينما حاول تمييز الشركات التجارية عن الجمعيات. كما أخذ بها المشرع العراقي في قانون التجارة رقم 60 لعام 1943 وان كان عدل عنها أخيرا في القانون الجديد رقم 149 لسنة 1970. ويعتمد قانون التجارة الحالي في الكويت على هذه النظرية كأساس لتمييز العمل التجاري عن العمل المدني.
ويؤخذ على هذه النظرية أن المضاربة لا تقتصر على العمل التجاري وحده بل تكاد تكون ملازمة لكل عمل انساني، فأصحاب المهن الحرة كالطبيب والمهندس والمحامي يسعون إلى تحقيق ربح مادي، كما أن المزارع يسعى أيضا إلى الحصول على كسب مادي، وبالتالي فإن الأخذ بهذه النظرية سيؤدي إلى اضفاء الصفة التجارية على أعمال مدنية بحتة.
كما يعاب على هذه النظرية عجزها عن تفسير بعض الأعمال التي يعتبرها القانون تجارية رغم عدم توافر قصد المضاربة فيها كسحب الكمبيالات أو تظهيرها أو ضمان أحد الموقعين عليها ولو لم يكن الهدف منه جلب منفعة مادية، يضاف غلى ذلك أنها لا تفسر احتفاظ عمل التجار بتجاريته رغم بيع البضاعة بسعر التكلفة أو بخسارة.
وهكذا يتضح أنه لا يمكن الأخذ بنظرية المضاربة وحدها كأساس للتفرقة بين العمل المدنى والعمل التجاري فهي واسعة من ناحية وضيقة من ناحية أخرى.
تذهب هذه النظرية إلى القول بأن التجارة تكمن في الوساطة في تداول السلع والنقود والصكوك في الزمان والمكان، وبأن العمل التجاري هو العمل الذي يسعى إلى تسهيل تداول هذه الثروات من وقت خروجها من يد المنتج إلى حين استقرارها في يد المستهلك.
وتطبيقًا لذلك يعتبر عملاً تجاريا شراء صاحب المصنع المواد الأولية ليحولها إلى سلع صالحة للإستهلاك. وعمل الناقل الذي يتولى نقل السلع من مكان لآخر، وعمل تاجر الجملة الذي يشتري السلع ليبيعها لتاجر التجزئة، وبيعها من قبل هذا الأخير للمستهلك وكذلك عمليات السمسرة والوكالة بالعمولة والتأمين والبنوك والأوراق التجارية.
وعلى العكس من ذلك لا يعتبر عملا تجاريا وفقا لهذه النظرية العمل الذي يتناول هذه الثروات وهي في حالة ركود واستقرار كعمل المنتج الأول للسلعة من مصدرها الطبيعي وشراء المستهلك لها.
ويؤخذ على هذه الطريقة أن الوساطة في التداول إذا لم تقترن بقصد المضاربة وتحقيق الربح فإنها تخرج من نطاق القانون التجاري، فنشاط الجمعيات التعاونية لا يعتبر عملا تجاريا متى اقتصرت هذه الجمعيات على البيع لأعضائها بسعر التكلفة.
كما يعاب على هذه النظرية أنها لا تتفق والإتجاه الحديث في القانون التجاري، فالصناعات الإستخراجية والعمليات المتعلقة بالعقارالت تعتبر وفقًا لمنطوق هذه النظرية أعمالاً مدنية مع أن معظم التشريعات اليوم تميل إلى إضفاء الصفة التجارية عليها.
المعايير القانونية
يذهب الفقه الحديث إلى أنه يجب طرح المعايير الإقتصادية جانبًا والبحث عن معيار قانوني يمكن بواسطته كشف صفة التجارية في أحد عناصر العمل القانوني ذاته.
ويرى هذا الفقه في فكرة الحرفة أساسًا قانونيا صالحا لتمييز العمل التجاري عن العمل المدني، فالعمل يعتبر تجاريا متى كان متعلقًا بمزاولة حرفة تجارية ومدنيًا إذا لم يكن متعلقًا بمزاولة الحرفة التجارية حتى ولو كان القائم به تاجرًا.
ويترتب على هذه النظرية أن تصبح التفرقة بين الأعمال التجارية بطبيعتها والأعمال التجارية بالتبعية عديمة الفائدة لأن الأعمال التجارية حسب منطوق هذه النظرية هي جميع الأعمال التي تقع بمناسبة الحرفة التجارية، فلا توجد إذن أعمال تجارية بطبيعتها وأخرى بالتبعية فالشراء لأجل البيع والذي يعتبر في التشريعات التجارية القائمة من الأعمال التجارية بطبيعتها، يعتبر عملا مدنيا متى وقع بمناسبة مهنة مدنية، ومثال ذلك قيام صاحب المدرسة الداخلية بشراء أغذية بقصد إعادة بيعها لتلاميذه فالشراء هنا يعتبر عملا مدنيا لأنه لم يقع بمناسبة حرفة تجارية.
ويؤخذ على هذه النظرية أنها تتطلب حصرا للحرف التجارية أو على الأقل وضع ضابط للتفرقة بين الحرفة التجارية والحرفة المدنية، فهي والحال كذلك تصلح كأساس لتشريع مستقل ولكنها لا تفيدنا كثيرا في مجال التفرقة بين العمل التجاري والعمل المدني طبقا للتشريع القائم والذي يأخذ بفكرة العمل التجاري المنفرد كالشراء لأجل البيع والتعامل بالأوراق التجارية والسمسرة وأعمال البنوك والتجارة البحرية.
وتتخذ هذه النظرية من الحرفة أساسا لها، ولكنها ترى أن النصر المميز والدال على وجود الحرفة هو عنصر المشروع أو المقاولة. أي تكرار القيام بالعمل وممارسته بصورة معتادة.
الأعمال التجارية الأصلية
يقصد بالأعمال التجارية الأصلية تلك الأعمال التي نص نظام المحكمة التجارية على تجاريتها صراحة واعتبرت كذلك بطريق القياس وهي تنقسم إلى قسمين: أعمال تجارية منفردة وهي تلك الأعمال التي تعتبر تجارية ولو وقعت منفردة ومن شخص لا يحترف القيام بها، وأعمال تجارية بطريق المقاولة وهي تلك الأعمال التي لا تعتبر تجارية إلا إذا بوشرت على سبيل الإحتراف أو المقاولة.
أولاً – الأعمال التجارية المنفردة
يضفي نظام المحكمة التجارية الصفة التجارية على مجموعة من الأعمال ولو وقعت لمرة واحدة وبصرف النظر عن القائم بها تاجرًا أم غير تاجر. وهذه المجموعة تشمل الشراء لأجل البيع والأوراق التجارية وأعمال الصرف والبنوك والسمسرة وأعمال التجارة البحرية.
الشراء لأجل البيع
يضع نظام المحكمة التجارية الشراء لأجل البيع في مقدمة الأعمال التجارية المنفردة، فتنص الفقرة (أ) علىأنه يعتبر عملاً تجاريًا "كل شراء بضاعة أو غلال من مأكولات وغيرها لأجل بيعها بحالها أو بعد صناعة وعمل فيها".
وباستقراء هذا النص يتضح أن هناك ثلاثة شروط ينبغي توافرها لكي يعتبر الشراء لأجل البيع عملاء تجاريا وهي: أن يكون هناك شراء، وأن يكون محل الشراء منقولا، وأن يكون هذا الشراء من أجل إعادة البيع لتحقيق الربح.
الشرط الأول: الشراء
يقصد بالشراء هنا المعنى الواسع بحيث يشمل كل كسب ملكية شيء بمقابل، سواء كان هذا المقابل نقديا كما في عقد البيع أو عينيا كما في عقد المقايضة.
وعليه فمن يبيع شيئا لم يسبق له شراؤه وانما اكتسب ملكيته عن طريق الإرث أو الهبة أو الوصية يعتبر عمله مدنيا.
ويترتب على شرط الشراء استبعاد بعض الأنشطة الهامة من نطاق القانون التجاري كالنشاط الزراعة والصناعة الإستخراجية والإنتاج الذهني.
تنص معظم التشريعات على استبعاد النشاط الزراعي من نطاق القانون التجاري، ولعل السبب في ذلك يرجع غلى أن الزراعة سابقة تاريخيا في ظهورها على التجارة، وإلى أن القانون المدني قد تكوّن من أجلها فلا يمكن أن نتتزم من نطاقه، هذا فضلا عن أن المزارعين يكونون طبقة اجتماعية منفصلة تماما في عاداتها وتقاليدها عن طبقة التجار.
ويقصد بالصناعات الإستخراجية استخراج المواد الأولية مباشرة من باطن الأرض أو قاع البحر، ومثالها استخراج البترول من الآبار والمعادن من المناجم وقطع الأحجار واستغلال العيون المعدنية وصيد الأسماك واللالىء وغير ذلك.
وتعتبر الصناعات الإستخراجية من الأعمال المدنية التي لا يمتد إليها حكم القانون التجاري بحجة أنها أعمال لم يسبقها شراء وأنها لا تعدو أن تكون نوعا من الإستغلال العقاري، ولكن هذه الحجة غير مقنعة لأن الصناعة الإستخراجية تنطوي على بيع لمنقولات، وقد رأينا أن القانون يعتبر الصناعة نوعا من التجارة، وذلك فإنه ليس هناك ما يبرر اقصاء الصناعة الإستخراجية من نطاق القانون التجاري.
الإنتاج الفكري والمهن الحرة:
لا يعتبر استغلال ثمار الفكر وما تجود به القريحة من قبيل الأعمال التجارية فقيام المؤلف ببيع مؤلفه والمخترع باستغلال اختراعه والفنان ملحنا كان أو مغنيا أو رساما أو نحاتا ببيع مقطوعته الموسيقية أو لوحته الفنية أو تمثاله يعتبر عملا مدنيا سواء قاموا بهذا العمل بأنفسهم أم عهدوا به إلى الغير.
وعلى العكس من ذلك يعتبر عمل الوسيط الذي يقدم عمل المؤلف أو المخترع أو الفنان إلى الجمهور عملا تجاريا لأنه يهدف إلى المضاربة من وراء قيامه بالعمل. فالناشر مثلا يعتبر عمله تجاريا لأنه يشتري حق التأليف بقصد البيع وتحقيق الربح، ويؤخذ بنفس الحل فيما يتعلق بأنواع الإنتاج الفكري الأخرى فقيام المغني أو الملحن أو المصور أو الرسام أو النحات ببيع ثمار عمله بنفسه أو بواسطة الغير يعتبر عملا مدنيا حتى ولو قام بالاستعانة بخدمات عدد قليل من العمال أو استخدم بعض الآلات الضرورية لعمله، أما من يقوم بنشر هذه الأعمال الفنية فيعتبر عمله تجاريا لأنه يشتري ثمار انتاج الفنان لنشره وبيه بقصد تحقيق الربح.
كذلك لا تعتبر ممارسة الأعمال الحرة من قبيل الأعمال التجارية، لأن أصحابها إنما يستغلون ملكاتهم الفكرية وما حصلوا عليه من علم وفن وخبرة، فضلا عن قيام هذه المهن على الثقة الشخصية التي يضعها العملاء في شخص من يمارس المهنة، كما أن الخدمات التي يقدمها أصحاب هذه الفئة من المهن لا تنطوي على شراء سابق.
ويدخل في نطاق المهن الحرة المحاماة والطب والهندسة والمحاسبة والتعليم وغير ذلك مما يستقر عليه العرف، ويلاحظ أن أصحاب المهن الحرة لا يحصلون على أرباح بل على مقابل أتعاب للخدمات التي يقدمونها.
وإذا اقترنت ممارسة المهنة الحرة ببعض الأعمال التجارية كالشراء لأجل البيع فيجب الأخذ بمعيار النشاط الرئيسي، وتطبيقًا لذلك فقد استقر القضاء الفرنسي على القول بأن قيام الطبيب بشراء وبيع الأدوية لمرضاه في الأماكن النائيه التي لا يوجد بها صيدليات لا يعتبر عملا تجاريا، وكذلك الحال بالنسبة لطبيب الأسنان الذي يبيع لمرضاه الاشياء اللازمة للعلاج كالأسنان الصناعية.
الشرط الثاني: أن يكون محل الشراء منقولاً
يتطلب نظام المحكمة التجارية أن يكون محل الشراء "بضاعة أو غلالاً من مأكولات وغيرها". وواضح أن هذه الفقرة تشير إلى المنقولات المادية، ومع ذلك فالرأي مستقر لدى الشراح في الدول الأخرى على أنه يجب تفسير مثل هذا النص تفسيرا واسعا بحيث يشمل إلى جانب المنقولات المادية المنقولات المعنوية كالأوراق المالية (الأسهم والسندات) وحقوق الملكية الأدبية والفنية والعلامات التجارية وبراءات الإختراع والمحل التجاري، بل أكثر من ذلك يفسر مثل هذا النص على أنه يشمل ما يسمى بالمنقولات بحسب المآل، فيعتبر تجاريا شراء منزل بقصد هدمه وبيع أنقاضه وكذلك الأشجار بقصد قطعها وبيعها أخشابًا.
الشرط الثالث: قصد إعادة البيع أو التأجير لتحقيق الربح
يجب لاعتبار شراء المنقول عملاً تجاريا أن يكون قد تم بقصد إعادة البيع ويجب أن تكون نية البيع معاصرة لعملية الشراء، وعليه فإن من يشتري منقولا بقصد استعماله أو الإحتفاظ به ثم يعدل عن رأيه فيقوم ببيعه فإن عمله يعتبر مدنيا حتى لو حقق ربحا وذلك لانتفاء نية البيع وقت الشراء.
وعلى العكس من ذلك يعتبر شراء المنقول تجاريا متى تم بقصد اعادة البيع حتى ولو عدل الشخص بعد ذلك عن موقفه فقام باستهلاكه أو بالإحتفاظ به لنفسه.
ولا يشترط أن يباع المنقول بحالته وقت الشراء إذ من الجائز أن يقع البيع على المنقول بعد تحويله أو صنعه كشراء الحبوب وتحويلها إلى دقيق وشراء الأقطان وغزلها ونسجها. كما لا يشترط من ناحية أخرى سبق الشراء على البيع إذ يجوز أن يقع البيع أولا ثم يليه الشراء بل أن هذا وضع مألوف في التجارة وبخاصة في عمليات البورصة.
الأوراق التجارية
يمكن تعريف الأوراق التجارية بأنها محررات شكلية تتطلب لصحتها بيانات معينة حددها القانون قابلة للتداول بالطرق التجارية، تثمل حقا شخصيا موضوعه مبلغ معين من النقود واجب الدفع في وقت معين أو قابل للتعيين، ويسهل تحويلها فورا إلى نقود بخصمها لدى البنوك وباستعمالها في تسوية الديون.
والأوراق التجارية في القانون هي الكمبيالة والسند لأمر والشيك.
أ- الكمبيالة
هي صك مكتوب وفق شكل حدده القانون، يتضمن أمرا من شخص يسمى الساحب (وهو الدائن) إلى شخص يسمى المسحوب عليه (وهو المدين) بأن يدفع مبلغا معينا من النقود في تاريخ معين أو قابل للتعيين لشخص ثالث أو لأمر هذا الشخص الذي يسمى بالمستفيد.
ويطلق على الكمبيالة اسم سند الحوالة وأحيانا السفتجة.
ب- السند لأمر أو السند الإذني صك مكتوب وفق شكل حدده القانون يتضمن تعهد شخص يسمى المحرر (وهو المدين) بأن يدفع مبلغا معينا من النقود في تاريخ معين أو قابل للتعيين لشخص آخر أو لأمر هذا الشخص الذي يسمى المستفيد (وهو الدائن).
ج- الشيك
الشيك صك مكتوب وفق شكل حدده القانون يتضمن أمرا من شخص يسمى الساحب أو المحرر إلى شخص آخر يسمى المسحوب عليه "بنك" بأن يدفع مبلغا ماليا معينا من النقود بمجرد الإطلاع لشخص ثالث أو لأمر هذا الشخص أو لحامل الصك أو لأمر الساحب نفسه.
1- نظرية المضاربة 2- نظرية التداول
1- نظرية الحرفة 2- نظرية المقاولة أو المشروع
1- النشاط الزراعي 2- الصناعات الإستخراجية
القانون الدولي الإنساني العرفي
القانون الدولي الإنساني العرفي
المحامية : أسيمة النابلسي
سنة النشر :2005
أجرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر دراسة في 5000 صفحة تم التعرف فيها إلى 161 قاعدة من القانون الدولي الإنساني العرفي تمنح الحماية القانونية للأشخاص المتضررين من الحرب. وتستند هذه القواعد إلى ممارسة الدول "الواسعة النطاق والنموذجية والمنتظمة فعلاً" وقد تبين أنها، على هذا الأساس، قواعد ملزمة عالمياً. كما توضح هذه الدراسة الأسس المشتركة بينه وبين القانون الدولي الإنساني الملزم لكافة الأطراف في النزاعات المسلحة الدولية منها وغير الدولية.
إن قانون المعاهدات والقانون الدولي العرفي هما مصدران للقانون الدولي. فالمعاهدات مثل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 هي اتفاقيات مكتوبة تحدد فيها الأطراف رسمياً قواعد معينة، أما قواعد القانون الدولي العرفي فهي غير مكتوبة وإنما تنبثق من ممارسات الدول، كما يعبر عنها في الكتيبات العسكرية، والتشريعات الوطنية، وقانون السوابق القضائية، والبيانات الرسمية، لهذا طلب المؤتمر الدولي السادس والعشرون للصليب الأحمر إجراء دراسة تهدف إلى التعرف إلى قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي القائمة ومن ثم إلى تسهيل تطبيقها. وقد تبين من الدراسة أن عدداً كبيراً من القواعد والمبادئ المدرجة في هذه المعاهدات هي قواعد عرفية مثل الكثير من القواعد التي تحكم سير العمليات العدائية ومعاملة الأشخاص الذين لا يشاركون أو كفوا عن المشاركة المباشرة في العمليات العدائية، وتطبق هذه القواعد والمبادئ باعتبارها جزءاً من القانون الدولي العرفي على كل الدول بغض النظر عن انضمامها إلى المعاهدات ذات الصلة.
وتظهر الدراسة أن ثمة عدداً كبيراً من القواعد العرفية في القانون الدولي الإنساني تعرف التزامات الأطراف في نزاع مسلح غير دولي تعريفاً أكثر تفصيلاً من قانون المعاهدات وعلى سبيل المثال فإن قانون المعاهدات لا يحظر صراحة الهجوم على الممتلكات المدنية، فيما نص القانون الدولي العرفي على هذا الحظر. كما تبين أنه لا يتطلب تطبيق هذه القواعد التمييز بين النزاع الدولي وغير الدولي.
كما يمكن أن يكون القانون الدولي الإنساني العرفي مفيداً في الحروب التي يقودها تحالف، فالنزاعات المسلحة المعاصرة تشرك غالباً مجموعة من الدول المتحالفة، فإذا لم تصدّق إحدى هذه الدول المتحالفة على الالتزامات التعاهدية، فإن قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي تكون مشتركة وملزمة لجميع أعضاء التحالف. وهذا ما يميز القانون العرفي حيث أنه من غير الضروري أن تقبل الدولة رسمياً بقاعدة معينة لكي تكون ملزمة لها طالما أن ممارسة الدولة التي تستند إليها القاعدة هي في العموم "واسعة النطاق ونموذجية ومنتظمة فعلاً" ومقبولة باعتبارها قانوناً. وإن التزام الدول بقواعد القانون العرفي يأتي من كونه هو والمعاهدات مصدران للقانون الدولي، ومن ثم يصبحان ملزمين على هذا الأساس، وهذا ما يحدده النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. كما يشكل تطبيق القانون الدولي العرفي في المحاكم الوطنية والدولية مثالاً هاماً لصفته الملزمة.
وتأتي أهمية القانون الدولي الإنساني العرفي أنه ملزم لكل الأطراف في النزاعات المسلحة سواء أكان دولة أم مجموعة مسلحة معارضة.
قد تتعرض قاعدة من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي إلى الانتهاك، وهذا وارد في جميع القوانين سواء كانت دولية أم وطنية، إلا أن هذا الانتهاك الذي تدينه الدول الأخرى ومن ثم تنكره الدولة المتهمة يعزز من القاعدة، مثال ذلك نجد أنه بالرغم من حصول عمليات هجوم على المدنيين في النزاعات المسلحة، فإن هذه العمليات تتعرض إلى الانتقادات ويسعى الطرف المتهم بها إما إلى إنكارها أو الادعاء بأنها غير مقصودة، وتشكل مثل هذه الإدانة وهذا التبرير اعترافاً ضمنياً بتحريم الهجوم على المدنيين.
وفي حال حصول انتهاك فإن المسؤولية تقع على عاتق القادة العسكريين، لأن عليهم ضمان احترام قواتهم للقانون، ويمكن أن ينفذ القانون بالطرق الدبلوماسية، بواسطة المنظمات الدولية، عبر تدابير يتخذها مجلس الأمن في الأمم المتحدة. أو بتطبيقها في المحاكم الوطنية أو الدولية مثل محاكمة الأفراد المسؤولين عن انتهاك القانون.
هذه الدراسة الشاملة التي قامت بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر تنوي استخدامها إلى أبعد حد ممكن في عملها لحماية ضحايا النزاعات المسلحة في العالم ومساعدتهم. وستسعى إلى تعزيز الوعي بالقانون الدولي الإنساني العرفي وتعريف الدول والقوات المسلحة والجماعات المسلحة المعارضة والمجتمع المدني بالقانون الدولي الإنساني.
وسوف تنظم اللجنة الدولية مع شركائها من المؤسسات سلسلة من الاحتفالات بنشر الدراسة في أنحاء مختلفة من العالم متوجهة إلى الخبراء القانونيين والممثلين الرسميين.
المحامية
أسيمة النابلسي
دمشق ـ سوريا
علاقة القانون الدولي الإنساني بمنظمة الصليب الأحمر
علاقة القانون الدولي الإنساني بمنظمة الهلال / الصليب الأحمر
المحامية : أسيمة النابلسي
تطورت فكرة الإنسانية على مرّ العصور، وبرزت فكرة صياغة القانون الإنساني لغاية حماية الإنسان من شرور الحرب ومن التعسف في استعمال الحق. وكان هذا التطور متلازماً دائماً مع تطور الحضارات. وكان هدف من يعملون عليها ويناضلون لأجلها منذ أن قام المجتمع الإنساني هو المحافظة على البشر وتوحيدهم وتحريرهم ممن يريدون السيطرة عليهم أو تدميرهم أو استعبادهم.
فقانون حمورابي ملك بابل، يبدأ بالكلمات التالية: "إني أقرر هذه القوانين كيما أحول دون ظلم القوي للضعيف"، وكان يلجأ إلى تحرير الرهائن مقابل فدية.
و(الأعمال السبعة للرحمة الرحمة الحقيقية) في الحضارة المصرية تنص على:
"إطعام الجياع، وإرواء العطاش، وكسوة العراة، وإيواء الغرباء، وتحرير الأسرى، والعناية بالمرضى، ودفن الموتى".
والقانون الإنساني منبثق عن قوانين الحرب التي هي قديمة قدم الحرب والحرب قديمة قدم نشوء الحياة البشرية على الأرض.
تعرف قوانين الحرب اليوم بالقانون الدولي الإنساني، وهو قانون يستند إلى الفكرة القائلة بأن العدو يظل إنساناً على أي حال.
يجب علينا أن نتجنّب الخلط بين مبادئ الهلال / الصليب الأحمر وبين مبادئ القانون الدولي الإنساني التي تتضمنها أساساً اتفاقيات جنيف بشأن حماية ضحايا الحرب.
فالأولى تفيد في كل وقت لتوجيه أعمال الهلال / الصليب الأحمر كمؤسسة خاصة، بينما تنظم المبادئ الثانية التي لها طبيعة رسمية، تصرفات الدول إزاء بعضها في زمن الحرب.
ورغم ذلك فنهاك رابطة تصل ما بين هذين المجالين، فالقانون الإنساني قد نشأة من مبادئ الهلال / الصليب الأحمر، التي لا تزال تستحث نموه وتطوره. وهكذا توجد بعض المبادئ المشتركة من بعض النواحي بين الجانبين، كمبدأ الإنسانية ومبدأ عدم التمييز.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الاتفاقيات لدى إضفاء حمايتها على الجمعيات الوطنية للهلال والصليب الأحمر، فإنها تشير في بعض الأحيان إلى الأنشطة التي تتفق مع المبادئ التي وضعتها المؤتمرات الدولية للهلال والصليب الأحمر. (اتفاقية جنيف الأولى 949، المادة 44، والبروتوكول الأول 1977، المادة 81).
وهذه المبادئ في الواقع ليست إلا تلك التي تضمنها إعلان فيينا.
ويحدد النظام الأساسي للهلال / الصليب الأحمر مبادئه بالتالي: "عدم التحيز، العمل المستقل عن أية اعتبارات عنصرية أو سياسية أو دينية أو اقتصادية، عالمية الهلال والصليب الأحمر، المساواة بين الجمعيات الوطنية للهلا الأحمر والصليب الأحمر".
أما أهم هذه المبادئ فهو (مبدأ الإنسانية):
إن المبادئ الإنسانية تنتمي إلى جميع الشعوب، فالناس يختلفون عن بعضهم البعض ولكن الطبيعة البشرية متشابهة في كل مكان، ومعاناة البشر يتساوى جميع الناس في التعرض لها وفي الحساسية إزاءها. وهكذا فإن على الهلال / الصليب الأحمر أن يعلن من القواعد والمعايير ما هو صائب وصالح في كل مكان بسبب اتفاقه تماماً مع طبيعة البشر.
تسلسل المبادئ الأساسية التي هي الأهداف لمنظمة الهلال / الصليب الأحمر، وذلك حسب أهميتها وكما وردت في الإعلان.
المبدأ الأول والأساسي هو مبدأ الإنسانية ومنه تنبثق كل المبادئ الأخرى.
والمبدآن الجوهريان الآخران هما: عدم التمييز والتناسب إلا أنهما يندمجان تحت عنوان واحد هو (عدم التحيز).
ثم يأتي مبدآن مشتقان هما: الحياد والاستقلال وهما ييسران تطبيق المبدأ الأساسي ويكفلان للهلال والصليب الأحمر ثقة جميع الأطراف. وللحياد والاستقلال صلة مباشرة بعدم التمييز.
أما المبادئ التنظيمية فلها طبيعة مؤسسية ومنها مبدأي التجرد والعمل الطوعي.
وهما في الإعلان مندمجان تحت عنوان "الخدمة الطوعية".
وأيضاً مبدأي الوحدة والعالمية، وهذه كلها معايير تطبيقية تتعلق بهيكل المؤسسة وسير أعمالها، فنجد أن مبدأ العالمية له طبيعة مختلطة تتعلق بالقاعدة وبالتطبيق على السواء، وهو مشتق جزئياً من قواعد الإنسانية "عدم التمييز"، أما التجرد والعمل الطوعي فهما وثيقا الاتصال بمبدأ الإنسانية. ومبدأ الوحدة مرتبط بمبدأ عدم التمييز.
إن للهلال والصليب الأحمر مذهب عالمية، ويجب أن يكون تطبيقه على نطاق عالمية، وهذا يستدعي تطبيقه في البلدان المختلفة وخاصة عند وقوع المنازعات.
والسؤال هو: هل توجد أية جمعية للهلال أو للصليب الأحمر تضع هذا المذهب الإنساني الرائع موضع التنفيذ، بكامله، وفي كل الأوقات؟ إن هناك عدداً كبيراً من الجمعيات بعيدة كل البعد عن الالتزام بكثير من المبادئ الأساسية للهلال والصليب الأحمر نصاً أو روحاً.
ولنأخذ مثالاً، عدم التمييز في الإغاثات وفي الهيكل التنظيمي والاستقلالية عن السلطات العامة والحياد السياسي والديني ومد نشاط الجمعية إلى كافة الدول.
وأقرب هذه الأمثلة زمناً رفض الحكومة الأمريكية إيصال المساعدات التي أرسلتها سورية عن طريق الهلال الأحمر السوري إلى الشعب العراقي المنكوب من جراء العدوان الأمريكي عليه. وذلك بمنع الصليب الأحمر من استلام هذه المساعدات وتوزيعها.
فهذا التدخل من الحكومة الأمريكية فيه انتهاك سافر لمبادئ هذه المنظمة الإنسانية العالمية التي تقوم على إغاثة الشعوب المنكوبة من أثر الحروب.
وهذا التعاون الذي فرضته القوانين الإنسانية في هذه الظروف استطاعت دولة القضاء عليه لأسباب سياسية ولأنها الأقوى. وهذا يتنافى مع أهم المبادئ والقواعد التي تقوم عليها المنظمة ألا وهي الاستقلالية والحياد.
وهنا يبرز سؤال: أليس من الزيف إعلان ميثاق يوصف بأنه مقدس وفي نفس الوقت نتسامح مع انتهاكاته؟ الحقيقة هي أنه لا يوجد في الحياة شيء مطلق. ومذهب الهلال والصليب الأحمر الذي وضع في لحظة تاريخية معينة، يطبق على عالم حي لا يتوقف على الحركة، وعلى مجتمع يتكون من أناس ليسوا على مستوى الكمال. وهو يمثل في بعض الأحيان مثلاً أعلى يمكننا أن نستلهمه، أكثر مما يمثل قانوناً صلب القواعد صارم المواد.
ندرك أن اللجنة الدولية من حقها قانونياً، في الحالات الخطيرة أن تسحب الاعتراف الدولي بأي جمعية وطنية إذا هي سلكت مسلكاً فيه تناقض صارخ مع "شروط الاعتراف" ومنها بصورة خاصة "احترام المبادئ الأساسية للهلال والصليب الأحمر".
إلا أننا نأمل بتجاوز هذه المحن والعقبات، طالما بقيت روح الهلال والصليب الأحمر، تلك الروح التي تجعل من هذه الحركة حقيقة حية متماسكة، فلن يكون للعقوبات محل، أما إذا تلاشت هذه الروح، فما من ريب في أن العقوبات سوف تعجز عن فرض الالتزام.
وهكذا، فبينما تشرف اللجنة الدولية بكل تيقظ على صيانة مبادئ الهلال والصليب الأحمر وهي تستهدي بالقول المأثور: "قوة في العلم ولطف في الوسيلة".
عندما نشرت اللجنة الدولية قبيل الحرب العالمية الثانية، شروط الاعتراف بالجمعيات الوطنية للهلال والصليب الأحمر التي صاغتها بنفسها أضافت إليها التعليق التالي: "وإذ تأخذ اللجنة الدولية في اعتبارها بصورة خاصة تعقد الأوضاع القانونية الدولية لمجموعات الدول المختلفة، فإن اللجنة تجد نفسها مضطرة إلى تفسير هذه المبادئ بدرجة معينة من المرونة، آخذة في حسبانها الظروف الخاصة في كل حالة على حدة". إن هذا التحفظ إجراء رشيد، وهو ينطبق أيضاً على مبادئ الهلال / الصليب الأحمر.
إن الجمعيات الوطنية هي أجهزة معاونة للسلطات العامة التي تحتاج الجمعيات مساندتها التامة، والتي يجب أن تقيم معها علاقات تسودها الثقة الكاملة، وعندما تستمر جمعية ما لفترة طويلة مخالفة لأحد المبادئ، فلابد أن يكون السبب هو ما يفرضه عليها القانون أو سلطة الدولة من مطالب لا مهرب منها.
إلا أنه مهما جرى من الأحداث والأسباب، فمن المهم الإخلاص لهدف وروح الهلال / الصليب الأحمر، فهذا الهدف وهذه الروح قد نصت عليهما المبادئ الجوهرية التي رأينا أنها تسمو في مكانتها عن غيرها، ولا يستطيع الهلال / الصليب الأحمر أن يتخلى عنها بأي ثمن، وسوف يظل دائماً مؤمناً بها وإلا فلن تقوم له قائمة.
ولنؤمن بالحكمة اليابانية: "التفكير بغير عمل لا يؤدي إلى شيء ولكن العمل بغير تفكير يؤدي إلى كارثة"، فالنفكر ولنعمل ونأمل بالنجاح.
المحامية
أسيمة النابلسي
دمشق ـ سوريا
الأحد، 28 يونيو 2015
حقوق المحامى داخل الجلسه
نصت المادة (89) مرافعات بما يأتي:
(تكون المحكمة مختصة بإصدار الحكم بالحبس مدة أربع وعشرين ساعة على من يقع منه
تشويش في الجلسة، وينفذ حكمها في الحال، وبإصدار الحكم بالعقوبة على من تقع منه جنحة
في الجلسة سواء كانت في حق المحكمة أو أحد أعضائها المأمورين الموظفين بالمحاكم).
قد يقوم بين المحامي - وهو يترافع وبسبب هذه المرافعة - وبين القاضي جدل، يتحول إلى مناقشة تأخذ من مظاهر الحدة ما لا يحسن، فيعتقد القاضي أن المحامي قد أهانه، ومن حقه أن يحكم عليه تطبيقًا للمادة (89) - فهل هذا العمل صحيح - وبعبارة أبسط، هل يجوز للمحكمة أن تحكم على المحامي بالعقوبة بسبب موقفه في الجلسة وهو يترافع ؟
لا بد أن نبين من الآن أننا لا نقصد بوضع السؤال أن المحامي غير مسؤول إذا اعتدى على القاضي، فهذا مما لا نرضاه لكرامة المحاماة، فضلاً عن كرامة القضاة، بل إنها لمنقصة لمن يرجو أن يكون في حل من المسؤولية إذا اعتدى.
إن شرف المحاماة مرتبط بأن نؤكد بأعمالنا أننا حقيقة شركاء القاضي - في أداء العدالة - لا نريد امتيازًا لمن يخطئ خطأ يدخل في حدود المسؤولية التي قررها القانون.
إنما نريد بالسؤال أمرًا بسيطًا محدودًا، هو مع تأكيد المسؤولية بسبب الاعتداء إذا وقع، هل يجوز أن تكون محاكمة المحامي في نفس الجلسة التي يترافع فيها، ومن نفس القاضي الذي يترافع أمامه، أو يجب أن تكون محاكمته أمام المحكمة المختصة العادية، وبمعرفة قاضٍ غير الذي حصلت الحادثة في جلسته، فكانت عراكًا بينهما ؟
البحث في هذه الحدود نراه بسيطًا سهل الحل، لكنه قد أخذ مظاهر المباحث المعقدة، فاختلفت فيه الآراء، وتناقضت الأحكام.
وما كان هذا - على ما نعتقد - لغموض في الموضوع أو لصعوبة في حله حلاً يتفق مع المبادئ القانونية ومع مصلحة العدالة، ومع كرامة القضاء، بل كان لأن للشهوة فيه دخلاً عظيمًا، فإن القاضي يأبى إلا أن يكون له الحق في عقوبة من اعتدى عليه، وألفاظ المادة أمامه، عامة صريحة.
أما المحامي فيريد أن لا يكون مهددًا في تأدية واجبه، وفي نفس اللحظة التي يؤديه فيها، ودعوى الاعتداء، إلا ما ندر والنادر، لا حكم له، مأخوذة بلا شك بسبب تأدية هذا الواجب ولأجله.
وواضح أن أحكام القضاة كانت قضاء في حق أنفسهم وتأكيدًا لسلطتهم.
لأجل هذا فلا عجب أن نرى هذا الاضطراب يتمشى في طريقة الاستدلال عند كل من الرأيين، لأن الحرج في المناقشة من شأنه أن يفسد عند الجانبين سلامة التقدير، وأنك لا ترى في حجة كل من الفريقين ما يفيدك إثباتًا ونفيًا، وإذا أردت أن نرجح بينهما كأن الترجيح تعقيدًا فوق تعقيد.
يرى أصحاب البنديكت أن المادة لا تنطبق على المحامي، ويسندون رأيهم (جزء 11 صفحة 129 فقرة 538)، إلى أن المادة قد وضعت لحماية المحامي لأنه داخل ضمن الأشخاص المعبر عنهم بكلمات (المأمورون الموظفون بالمحاكم)، يقولون ولا يقول إن تكون المادة قد وضعت لحماية المحامي، ومع هذا يجوز أن تكون مقررة لعقوبته.
غير أن الضعف في الاستدلال ظاهر، إذ ليس من الهين التسليم بأن المحامي داخل في من أرادهم الشارع بقوله.
(المأمورون الموظفون بالمحاكم officiers de justice).
بل لو سلمنا بأنه يدخل فيهم، فلا نفهم معنى تلك الحجة الكلامية التي تصاع في أنه لا يعقل أن يكون القانون الذي يحمي هو بذاته الذي يعاقب، فإن هذا على ما نفهم هو شأن القوانين جميعها فإنها وضعت لحماية من لا يعبث بها، ثم لعقوبة من يعبث بها من أولئك الذين وضعت لحمايتهم:
أما الرأي الثاني فالضعف في إسناده أظهر، تراه قائمًا على أن المحامي في الجلسة مثله مثل الأفراد لا يمتاز عنهم في شيء، على أن هذه القضية بذاتها هي محل البحث فإعادتها لا تصلح للتدليل عليها.
ثم تراه بعد هذا مسندًا إلى ضرورة المحافظة على كرامة القضاء، وهيبته، وهذا كلام لا دليل فيه غير أنه يرضي.
ولأنه يرضى فهو خطر، يجب استبعاده من الاستدلال، ولولا أنه خطر لظهر عند التأمل أنه غير صحيح في واقعته لأن كرامة القضاء لا تتأثر بواقعة اعتداء أيًا كانت، بل هي باقية، ثابتة بعد أي اعتداء كما كانت قبله، ولعل الذي يفهم معنى كرامة القضاء يسلم معنا بأن الرأي الأول أليق بكرامة القضاء على وجهها الصحيح كما سنبين ذلك في موضعه.
هذا مظهر الرأيين فإذا وقفنا في بحثنا عند استدلال كل من الفريقين كان في الترجيح بينهما شيء من الصعوبة فلا بد أن نرجع إلى أصل النظام القضائي، وإلى قواعد القانون الكلية، وإلى المبادئ العامة لنصل إلى حقيقة قضائية مقنعة.
قد يقال إنه لغرور ظاهر !!! لكن الذي يؤدي واجبًا لا يعنيه ماذا يقال، وإلا فقد وقف دون الواجب، على أني أعرض ملاحظات يستطيع كل من فكر ودقق، في مواقف المحامي، وفي عمله، وفي أحكام القوانين المتعلقة به، أن يصل إلى الحقيقة في أمرها.
ولعل غيري كان قادرًا أن يقدمها للناس بأحسن تدليل فلست أطمع في أكثر من توجيه البحث إلى طريقه الصحيح على ما وصل إليه نظري، ولمحكمة النقض أن تحل هذا الأشكال بحكمتها تقريرًا للواجبات وتأكيدًا للتضامن بين عنصري العائلة القضائية، على ما يجب أن يكون.
البحث الأول: مركز المحامي في الجلسة
- إنه يمثل مأمورية عامة لا يملك القاضي تعطيلها.
ليس من الضروري أن يكون المحامي داخلاً ضمن الذين تشير إليهم المادة (89) بكلمات (المأمورين الموظفين بالمحاكم) كما يقول الرأي الأول، ولكن المحامي مع هذا ليس فردًا من الأفراد يستوي حكمه إذا حضر في الجلسة مع أفراد الجمهور الحاضر كما يقول الرأي الثاني.
إن المحامي يحضر في الجلسة على أن له مأمورية اجتماعية، حسبها المشرعون من قديم ركنًا من الأركان الضرورية لتوزيع العدالة، وعمادًا في البناء القضائي، فليس هو في الجلسة فردًا بل تقرر على الدوام ومع اختلاف الأزمنة أنه شريك للقاضي في حدود الدعوى التي يحضر فيها، وأنه ممثل لفكرة أرادها الشارع ومنفذ لغرض اجتماعي مقرر.
المحامي يمثل الخصم الذي يترافع عنه - ظاهرًا - لكنه في الواقع يمثل مأمورية المناقشة اللازمة، لتنوير الدعوى، وظهور الحقيقة، وتكوين فكرة للقاضي، ولا يمنع هذا أن المحامي، يترافع باسم أحد المتقاضين، لأن هذا التخصص كان لازمًا من باب، توزيع العمل، وتقسيم المأموريات، لتتساعد الأفكار المختلفة في نواحي المناقشة، والبحث، فيكون من مجموع جهودها ما يوصل إلى الحق بقدر المستطاع.
القاعدة التي لا نزاع فيها أن المحاماة مأمورية مقررة، وضع نظامها لمصلحة عامة، وإن ظهرت عند التنفيذ في شكل مصلحة خاصة.
نريد أن تظهر هذه الحقيقة، لا من طريق التدليل النظري، فقد لا يكون ملزمًا لإسناد الأحكام، بل من طريقها القضائي، ومن طريق الأنظمة الموضوعة، والنصوص المكتوبة.
إنك لتجد هذه الحقيقة مكتوبة في معناها إذا لم تجدها في لفظها إذا تصفحت أي قانون من قوانين العالم، وأينما وقع نظرك، ومهما كان القانون الذي تقرأه.
1 - خذ قانون المحاكم المختلطة مثلاً، وقد اخترناه لأنه أقدم تشريع نظامي صدر في مصر، تجد المحامي في لائحة تنظيم القضاء ركنًا من أركان بنائه العام، وتجده محوطًا بثقة خاصة، ليست لأحد سوى فريق من الموظفين القضائيين، فتجده يحتكر حق الكلام أمام محكمة الاستئناف ثم تجد مقامه في تأسيس المحاكم المختلطة مع القضاة، والمستشارين، وموظفي المحاكم، في مستوى واحد، وتحت حكم واحد فيما يختص بالتأديب بغير تمييز ولا فارق، وفي هذا تصريح بأن مأمورية المحامي، ركن من النظام القضائي، في وجودها، وفي زوالها، إذ هي توجد وتزول، بنفس الطريقة التي توجد وتزول بها وظيفة القاضي سواء بسواء.
قلنا إن لقوله في حدود وظيفته ثقة خاصة، لا تتحقق إلا في شأن المأموريين الرسميين، فنجد تفريغًا لهذا الأصل وتنفيذًا لحكمه، إن المحامي يحضر في الواقع ممثلاً لمأمورية اجتماعية وكلت إليه، وتأكدت له الثقة من أجلها، فهو مصدق بمجرد قوله إنه وكيل عن أحد الخصوم، فلا يطلب منه توكيل.
وأنك تقدر هذه الثقة، وأثرها على الحق المتنازع فيه، فإن المحامي يترافع في الخصومة والقاضي يقضي بناءً على تلك المرافعة، فهي عماد الحكم، وقد يعترف المحامي، وقد ينكر، والقاضي ملزم بأن يأخذ هذه التقريرات مجردة عن كل دليل فيما يختص باتخاذها حجة على الموكل وعمادًا لحكمه.
أرأيت مثل هذه الثقة مقررة في حق موظف من الموظفين، كيفما كان مركزه ؟!
إن القاضي إذا قرر واقعة فهي لا تعتبر صحيحة إلا إذ دونها في محضر وساعده في التدوين كاتب، ثم وقع صاحب الشأن معه.
أما المحامي في تقريره بوكالته، فهو مصدق بقوله مجردًا عن كل دليل، وعن كل محضر، ولا سبيل لتعليل هذا إلا بأنه في نظر القانون مأمور حقيقة بخدمة عامة، فحققت له تلك الثقة المقررة للمأمورين جميعًا، بل كان مظهرها في حقه أبلغ.
2 - يدلك على أنه لا يحضر في الجلسة رسولاً عن الموكل الذي يترافع عنه، أن الموكل ليس له أن يبعث من يريد، بل لا بد له أن يلجأ إلى من أولاه الشارع ثقته، واشترط في تقريره محاميًا شروطًا خاصة، هي بذاتها الشروط التي يقتضيها في حق القاضي بلا فرق.
فالشارع حينئذٍ يضع مهمة القضاء بين جهتين، يستلزم لهما من شروط الكفاءات شروطًا واحدة، ومن شروط التأديب شروطًا واحدة، ومن شروط الاستقامة شروطًا واحدة، ثم بعد هذا تراه يوزع عليهما العمل، فللمحامي الأعمال التمهيدية، وللقاضي الكلمة الفاصلة والقول الحاسم، فتصوير المحامي وهو في الجلسة يترافع بأنه فرد من الأفراد أو قائم مقام الفرد صاحب الخصومة إنما هو خروج عن الواقع، وعن المقرر بنصوص القوانين.
3 - إن مأمورية المحامي في الجلسة لا تتوقف على توكيل أحد المترافعين، بل يريد القانون لو أنها تؤدي على الدوام - وفي كل القضايا - ورغمًا عن إرادة المترافعين أصحاب الشأن، ولهذا كان من أجمل موقف المحامي أن يتطوع في الجلسة للدفاع عن مترافع يراه صاحب حق، ويراه عاجزًا عن التدليل عليه، وفي هذا الظرف لا يستطيع القاضي أن يقول له، مالك ولهذا ؟ ولم يوكلك الخصم ؟!
ليس لهذا معنى، غير أن مأمورية المحامي، هي في الواقع مأمورية تقررت على أنها من كفالات العدالة وشروطها، فكلما ظهر المحامي في الجلسة، بتوكيل أو بغير توكيل، ليؤدي هذه المأمورية، تعين سماعه، ليكون نظام العدالة أدق وأكمل.
بل إنك لو رجعت إلى تلك العصور الأولى التي قامت فيها المحاماة، قبل أن توجد لها أنظمة وقواعد، وقوانين، وجدتها قد تأسست على أنها ظاهرة من ظواهر الطبيعة التي لا تقبل المناقشة فقبلها القاضي على أنها نور يرشده ولجأ إليها المترافعون كأنها سفينة النجاة، ولا يزال أثر هذا القديم حاصلاً كلما تطوع محامٍ في الجلسة لمساعدة عاجز عن المرافعة فشكره الناس بل كان القاضي أول من يشكر.
4 - كذلك عملاً بهذا الأصل وتنفيذًا له، تجد أنظمة المحاماة في كل بلد مجمعة على أن مأمورية المحامي، ملك للمتقاضين جميعًا وبدون استثناء، فهي ليست تجارة للربح، ولا طريقة للعيش، فلا ينتفع بها إلا من كان قادرًا على دفع الأتعاب، بل هي مأمورية عامة، مثلها مثل مأمورية القضاء بالضبط، للفقير فيها حظه كالغني، فكل من لا يستطيع أن يعين محاميًا لفقره من حقه أن ينتفع بهذه المأمورية الاجتماعية، وليس عليه سوى أن يقصد المحامي أو مجلس النقابة، أو القاضي فيجد حالاً محاميًا يتحمل المشاق للدفاع عنه، بلا مقابل، ولا مصلحة غير نصرة الحق !!
باسم من يحضر هذا المحامي ؟! وما هو ذلك الواجب الذي يلقى على كاهله فلا يستطيع أن يتمايل، سوى أنه واجب العدالة الاجتماعي يطالبه بأداء حقه، وقد تخصص له، فوجب عليه تلبية النداء كلما سمعه، لا فرق بينه وبين جندي وهب نفسه للدفاع عن بلده غير أنه جندي السلام يقاتل الباطل ويدافع للحق، وما هي المصلحة الاجتماعية التي تفضل هذه المصلحة ؟!!
لا سبيل لتعليل هذا غير أن المحاماة مأمورية عامة حقًا، وواجب اجتماعي لا نزاع فيه، تقررت شرطًا لعدالة القاضي فليس للقاضي أن يهدم ركن عدالته بيده ؟
5 - عملاً بهذه القاعدة أيضًا، تجد القوانين، صريحة في أن القاضي غير كفؤ وحده للفصل في قضايا معينة، بل لا بد للثقة بحكمه، وللاطمئنان إلى رأيه أن يكون معه المحامي، شريكًا، عاملاً، فتجد بعض القوانين تشترط هذا في الجنايات، وبعضها تشترطه في الجنايات، وفي الجنح أيضًا، وبعض القوانين يجعل لهذا العمل أتعابًا تدفعها الخزينة العامة، وبعضها تجعله مجانًا وبلا مقابل.
أترى أن الحكومة تكلف خزانتها أن تدفع المال للمحامي ليشترك مع القاضي عبثًا ولهوًا ؟!
ولمجرد أن يزيد في عدد الحاضرين بالجلسة فرد من الناس يستوي حكمه مع حكم أفراد الجمهور فيما عدا أنه يلبس رداءً أسود ؟!! أو لا بد أن تكون هذه الأنظمة نتيجة لتلك القاعدة الثابتة وهي أن المحامي يؤدي مأمورية اجتماعية، هي أساس لاطمئنان الناس على العدالة بينهم، فهي جزء أصلي لمأمورية القاضي يتحقق حكمها وأثرها، كلما وجد ظرفها وحضر المحامي فعلاً.
6 - تجد أثر هذه القاعدة أيضًا، في نص بعض القوانين على أن المحامي يؤدي يمينًا بأن ينفذ مأموريته بالصدق والنزاهة، فهو في هذا مثله مثل القاضي، فيمين كل منهما واحدة، كما كانت شروط الكفاءة عندهما واحدة.
ولو أن المحامي يمثل الخصم، لاستحال أن يكلف باليمين على هذه الصورة.
7 - كذلك، تجد أثر القاعدة في تدوين الواجبات التي على المحامي، وفي أسباب تأديبه، فإن واجباته ثقيلة الكلفة واسعة المدى، تكاد تجرده من كثير من حقوق الإنسان، بل تكاد تخنقه خنقًا، إذ المبالغة فيها تتدفق من كل ناحية، حتى لقد كان من أسباب محو الاسم في بعض الأنظمة أن يطلب المحامي تقدير أتعاب ضد موكله.
ومهما قلت بأن هذا أثر باقٍ من أصل نشأة المحاماة حيث كانت مروءة ونجدة، لكنها قد تطورت، وأصبحت عملاً لا بد من تقدير أتعابه، مهما قلت هذا فإن ذلك الأصل القديم دليل على أن المحاماة ليست تظاهرًا بالبلاغة ولا تجارة، ولا طريقًا للعيش، بل هي مأمورية، اجتماعية، حقيقية، تشكلت في أول عهدها على قدر الإفهام، بالمروءة والنجدة، أي بأحسن نزعة في قلب الإنسان، ثم تشكلت مع تقدم الفكر القضائي بأنها شرط للعدالة، وركن لفهم القاضي، وهذا هو مقامها في القوانين العصرية تراه مكتوبًا في جميع النصوص معنى وحكمًا.
لهذا لا تزال واجبات المحامي، من حيث النزاهة، والاعتدال، والرفق، والصدق، واصلة به إلى أسمى مراتب الفضيلة، لا فرق بينه وبين القاضي.
بل نجد من واجباته أن لا يعمل لتوسيع رزقه، في دائرة الحلال والاستقامة، فليس له أن يتاجر، وليس له أن يكون موظفًا في الحكومة، وليس له أن يكون عضوًا في شركة، إلى آخر ما تعلم من تلك الواجبات، التي تنقص من حقوقه المدنية العادية، كأنه قد تجرد من أهم حقوق الفرد أو كأنه قد زهد في متاع الحياة، فأصبح بقوته، ونشاطه، ومقدرته، وقفًا على تمهيد سبل الحكم في حقوق الناس، فكان لا بد له أن لا يشتغل بغير هذا، ولا يفكر في غير هذا، وأن فكر فقد خان واجبه المقرر.
8 - تحقيقًا لهذا الأصل أيضًا، تجد المحامي إذا ترافع لا يرتبط بأقوال الذي يدافع عنه، خصوصًا في قضايا الجنايات والجنح، فإن المتهم قد يعترف بالجريمة، لكن المحامي يعارضه، ويدلل على كذبه وهو في هذا الموقف، ذو ولاية عامة، تلقاها من القانون، وهي ولاية تضعه في موضع قاضي، لا نظير له بين القضاة، لأنه هو وحده الذي يملك أن يقول إن المتهم كاذب، وهو وحده الذي يمهد هذا السبيل للقاضي، بحيث إذا لم يقترح المحامي هذا الاقتراح خرج بحثه عن ولاية القاضي، والمحامي يعرضه كما رأيت من تلقاء نفسه !!! بل ورغم المتهم الذي يدافع عنه، وعلى عكس أقواله، فهي ولاية اجتماعية لا شك فيها، ولا نظير لها !!!
حينئذٍ هو خطأ جسيم أن يقال إن المحامي يحضر عن صاحب الشأن، ويعمل لمصلحته، بل هو قول باطل، تنقضه كل مواقف المحامي، كيفما تأملتها، ولا بد لنا أن تقف عند هذه الحقيقة المؤكدة:
وهي أن المحامي، يمثل واجبًا اجتماعيًا، ومأمورية اجتماعية، علم الناس ووثقوا أنها ركن من أركان العدالة، فوضعت الأنظمة لتقرير أحكامها، وبيان حقوقها وواجباتها.
وحينئذٍ هو خطأ أيضًا أن يقال إن المحامي يدخل ضمن الأشخاص المشار إليهم في المادة (89)، بكلمات (المأمورين، الموظفين بالمحاكم)، بل إن تقاليده وواجباته ولائحته بنصها الصريح، كل هذا يمنع أن يكون من الموظفين، أو من المأمورين، وإنما هو رسول القانون، وممثل الركن الأول من أركان العدالة في مجلس القاضي، يحمل ويؤدي واجب البحث والمناقشة، ويحمل ولاية العاجز عن الدفاع لقصر، أو جهل، وولاية كل من قهره البؤس فطوح بنفسه إلى جحيم المجرمين اعتباطًا.
هذا هو مركز المحامي في الجلسة، وذلك موقفه القانوني بلا فلسفة، وبلا إجهاد في النظريات، فما أغنانا، عن البحث، كما بحث أصحاب البنديكت، وغيرهم، في هل هو يعتبر ضمن المأمورين القضائيين أو لا يعتبر منهم.
بناءً على هذا نستطيع أن نؤكد أنه لا يمكن أن يكون شأن المحامي في الجلسة هو بذاته شأن كل فرد من الأفراد الذين شرعت المادة (89) لحماية المحكمة من تشويشهم واعتدائهم.
ذلك، لأنه متى تقرر، والأمر واضح، أن المحامي لا يمكن أن يستوي بأفراد الجمهور الحاضر، فقد خرج من حكمهم، وخرج من حكم المادة (89)، الموضوعة بنصها الصريح لهذا الجمهور وحده.
إن المحامي، بحكم مهمته الاجتماعية حر في تأديتها كما يملي عليه ضميره، لا يخضع فيها لأحد، وإذا قلنا لا يخضع لأحد فلا نعني بهذا غير القاضي الذي يسمعه أولاً وبالذات، فليس لقاضي الجلسة أن ينازعه في طريقه الذي وضعه لتأدية تلك المهمة، وليس له أن يطلب منه أن يوجه بحثه إلى غير التوجيه الذي يراه.
نقصد ليس له ذلك أي من باب السلطة والأمر، ولكن له طبعًا، من باب التفاهم، ورغبةً في الإقناع، أن يسأل وأن يناقش، وللمحامي أن يصر على رأيه، وأن يزيد في التدليل، على ما أراد، وأن يصمم على الغرض الذي يرمي إليه.
المسألة هنا واجبان يتلاقيان، وقد يُحدث هذا التلاقي حرجًا، وقد يثير الغضب، فيولد الاتهام من الجانبين، ويرى كل منهما أن الآخر قد تجاوز واجبه، فانتقلت المسألة من جنحة جلسة مادية صرفة إلى أنها نزاع بين فريقين، تستلزم بحثًا وتحقيقًا لمعرفة مَنْ مِنْ الاثنين قد تجاوز ذلك الواجب، ومَنْ مِنْ الاثنين كان غير مصيب، وهذا لا يتحقق منه شيء بالنسبة لفرد من الجمهور، فخرجت هذه الواقعة المعينة بحكمها، وطبيعتها، وموقف كل من القاضي والمحامي فيها، من حدود المادة (89).
إنما وضعت هذه المادة للجمهور الذي لا رابطة بينه وبين القاضي، غير أن يسكت، وأن لا يتكلم إلا بقدر ما يريد القاضي، وفي حدود سماحه، وهذا لا ينطبق على المحامي بحال من الأحوال ما دمنا علمنا أنه عضو قانوني، يؤدي مأمورية اجتماعية تريدها القوانين لمصلحة عامة، لا يملك القاضي تعطيلها، أو توجيهها إلى عرض معين، أو الوقوف في سبيلها، وإن فعل فقد اعتدى على النظام الذي يسند إلى سلطته.
وفي الواقع، فكيف تتولد على وجه العموم وفي أكثر الحالات، حوادث الاعتداء في الجلسة بالنسبة للمحامين إلا من باب تأدية الواجب ؟
يترافع المحامي فيقول قولاً على غير ما يرى القاضي، يعترضه القاضي فينشأ بين الاثنين مناقشة، تأخذ حدودًا لم تكن في الحسبان، يكون من حدتها ما يدفع بالفريقين أو بأحدهما، إلى ما يغضب، ومتى غضب القاضي فالمادة (89) في يده، والسلطة له مطلقة، فما أسرع من تطبيقها على المحامي، لهذا تتعطل سير العدالة، وينتقم القاضي لنفسه وهو في حدة الغضب انتقامًا لا راد له.
لست أريد بهذا، أن القاضي هو المعتدي، وأنه الغضوب المتسرع في كل حالة، لكني أقول، وأرجو دائمًا، أن لا يبرح هذا من الذهن، أننا في هذه الحالة الدقيقة لسنا أمام قاضٍ وفرد من أفراد الجمهور، بل أمام واجبين متعارضين، في الظاهر، وأمام مأموريتين اجتماعيتين لا بد لهما من التضامن في العمل، لتصلا إلى العدالة المقصودة، فإذا كان أحد الجانبين يؤدي واجبه وهو حر في تأديته، فهو مقدس ما د أنه يؤديه، وهناك بالنسبة له، نظرة تعصمه عن
سلطة القاضي المقررة لأفراد الجلسة، وهناك احتمال أن يكون القاضي هو الذي بدأ بالعداء، وهناك احتمال أن يكون القاضي هو المسؤول دون المحامي، فأصبح القاضي أحد الفريقين المتناظرين، وهذه الحالة من المحال أن تتحقق في حق فرد من الناس الذين شرعت لأجلهم المادة (89).
أنه لا يوجد من أعمال المحامي في الجلسة، ما يصعب جريًا مع المنطق، والاستعداد النفسي، أن تنتزع منها واقعة إهانة للمحكمة، فإن مأمورية المحامي تؤدي من طريق اشتراكه مع القاضي مباشرةً، ومن طريق مجاهدته في الرأي، ليسير في طريق معين.
هذا في واقعته وفي جوهره أكثر من التشويش، بل هو مجاهدة، وتصادم بين رأيين، وقد يكون من شأنه إحراج النفس ثم تحويلها إلى توهم السخرية بالرأي، فجنحة الاعتداء سريعة التكوين في نفس القاضي من مجرد القيام بالواجب وبدون أي سبب خارجي.
إذا علمنا أن مأمورية المحامي، شرط لازم لعدالة القاضي، فالنتيجة اللازمة لهذا حتمًا أن المحامي وهو يؤدي هذه المأمورية لا تدخل عقوبته في حدود سلطة القاضي لأن هذه السلطة نفسها شرطها احترام مأمورية المحامي، وتمكينها إلى آخر حدودها.
ولا يجوز للقاضي أن ينقض بعمله، شروط عدالته، فيمنع المحامي من تأدية عمله بحجة أنه قد اعتدى.
إن هذا الاعتداء إذا وقع لا يذهب أثره، ولا بد أن نتذكر دائمًا أن عقوبته محققة باقية لا تضيع سُدى، ونتذكر دائمًا أننا هنا أمام واجبين اجتماعيين، والواجبات الاجتماعية، لا تتعارض ولا تتناقض، فيجب أن يترك المحامي يؤدي واجبه، ثم للقانون، بدون تعجل ولا انتقام، أن يقتص منه بعد ذلك فيقدم إلى السلطة المختصة لمحاكمته على الاعتداء الذي وقع منه.
هب أنك أمام محكمة جنائية، وأهم ما فيها بحث في شهادة شهود وتدوين لأقوالهم، وهب أن الرئيس قد اعتقد أن الشاهد قد أجاب بكذا، فأملاه على الكاتب، والواقع أن الرئيس أخطأ في السماع، فاعترضه المحامي بأن الشاهد قال غير هذا، أفلا يكون من هذا تهمة اعتداء، أبسط ما يقال فيها إن المحامي قد اتهم الرئيس بأنه يزور محضرًا رسميًا، أو بأنه لاه عن سماع الشهود، والاعتداء قائم في الحالتين ؟!
حينئذٍ تكون النتيجة، أن هذا المحامي، ووجوده شرط لصحة عمل القاضي، ووجوده إنما لوحظ لأجل هذا الواجب الذي يؤديه، ولأجله فقط، تكون النتيجة أنه قد استحق الحكم بالحبس، لا لشيء سوى أنه أدى واجبه، فكان في تأديته إيلامًا للقاضي، ومن ذا الذي يعطي سلطة الانتقام إذا غضب فلا يستعملها ؟!
لا شك عندنا في أن الرأي القائل بجواز استعمال المادة (89)، في حق المحامي يخرج بنا عن كل ما يدركه العقل، إذ تذكر هذه الواجبات المقررة، وعن كل ما يحققه القانون في نصوصه المختلفة من وجود المحامي، ومن القيام بمأموريته:
قد يجوز أن يكون اعتداء المحامي واضحًا وضوحًا لا ريب فيه، بحيث لا يحتمل الموضوع تأجيلاً ولا محاكمة يجب تحويلها على محكمة أخرى، وعلى هذا فقد يعترض: ما معنى ضرورة التأجيل هنا، ولماذا لا ينفذ القاضي سلطته المقررة في المادة (89).
هذا اعتراض، لا يضعف شيئًا مما تقدم، بل هو رجوع بنا إلى الوراء، كأننا لم نتقدم بالبحث خطوة، فإن الاعتراض قائم على التسليم بأن المادة (89)، يدخل في حكمها المحامي حتمًا، وهذه هي المسألة المراد بحثها وتقديم الدليل عليها، فإذا ما دللنا، على أن المحامي لا يمكن أن يدخل في حكم المادة، فلا معنى للاعتراض، بجواز أن يكون خطأ المحامي واضحًا، لأن هذا الوضوح موضعه هناك أمام القاضي الذي يحكم في الموضوع وليس من شأنه أن يدخل في حكم المادة ما لم توضع لأجله.
على أن هذا الاعتداء المفترض خيالاً والمجرد عن كل ملابسة، لتأدية الواجب، هو بالطبع من الوقائع النادرة الشاذة، والشذوذ لا حكم له.
إنما توضع القواعد للحوادث الغالبة، وحكمها أن تهمة الاعتداء إذا وجهت للمحامي فإنما هي ناشئة من تأدية واجبه وبسبب ذلك الواجب ما يتبعه من تصادم الرأي بين القاضي والمحامي.
على أن هذا الاعتراض يرد عليه بمثل حجته، وذلك بافتراض الحالة الشاذة، التي تقابله، وهي أن القاضي، وهو قوي، قد يغتر بسلطته، فيعتدي على المحامي اعتداءً واضحًا، فيكون المحامي في حل من رد الاعتداء بمثله، ولا يجوز للقاضي، أن يحكم في حق نفسه، فينتقم بعد أن كان معتديًا ؟!!
الصواب أن هذه الاعتراضات، الافتراضية، تتلاشى وتستقيم شروط العدالة، إذا قلنا إن هذه الحالة حالة خاصة، بمظهرها، وبحكمها، وبنتائجها ولا سبيل لتطبيق المادة (89) عليها، بل هذه مناقشة، بين فريقين، فلكل منهما الحق في أن يناقش، فإذا تحولت المناقشة إلى اتهام متبادل، فلكل منهما أن يحتمي ضد الآخر بواجبه، والواجبات لا تتعارض، فلا بد من تحويل خصومتها للمحكمة المختصة لتفصل فيها، تحقيقًا لمسؤولية كل منهما.
بقيت كلمة أخيرة يجب أن تكون ختامًا لهذا البحث.
قد يقال، نسلم إن للمحامي مأمورية مقررة في الجلسة، نسلم أنه رسول القانون، وأنه شريك القاضي في عمله، لكن هذا قد لا يحل الإشكال لأن للقاضي شركاء آخرين في الجلسة هم الموظفون معه، وهم أيضًا أصحاب مأمورية اجتماعية، ومع هذا جاز للقاضي أن يحكم عليهم إذا اعتدوا، فلماذا لا يجوز له أن يحكم على المحامي ؟!
قيمة هذا الاعتراض كلامية أكثر منها جوهرية.
أولاً: لأن البحث في هل للقاضي أن يحكم على الموظف بالعقوبة طبقًا للمادة (89) لا يزال باقيًا كله، ولا ندري هل تنطبق هذه المادة على الموظف أو لا تنطبق، فالاعتراض أساسه افتراض غير مسلم به أو عقدة غير محلولة، فهي لا تحل عقدة أخرى.
وثانيًا: لأن المادة (86) التي قررها الشارع لأجل الموظفين وحدهم لا تسمح بغير توقيع الجزاء التأديبي - دون العقوبة - فالاستدلال بها يؤيد رأينا.
وثالثًا: لأنه قد يكون الاعتداء من عضو من المحكمة فتسقط ولاية الباقين في الحكم، فالظاهر المادي أن المادة (89) لم توضع لهذه الحالة فهي حينئذٍ لا يجوز تطبيقها على الموظفين.
ورابعًا: لأن المادة (86) قاصرة على التشويش لا على أية جنحة أخرى، ومن هذا أيضًا تدليل صريح على أن المحكمة لا تملك الحكم على الموظف إذا أسندت إليه جنحة، فهي حينئذٍ لا تملك الحكم على المحامي لا لأنه موظف ولكن لأنه يؤدي واجبًا في الجلسة كالموظف.
وخامسًا: لأن الموظف عند إصدار المادة (89) كان خاضعًا في المسؤولية التأديبية للمحكمة، فلا غرابة في أن تؤدي هذه السلطة في الجلسة كما تؤديها خارج الجلسة.
هذا أما إذا أردنا التمثيل بالموظف، ليكون القياس كاملاً، فيجب أن تفترض الواقعة الآتية:
كاتب الجلسة أمين على محضر الجلسة، يدون فيه الوقائع كما تحصل، كما أن المحامي أمين على طريقة الدفاع يرسمه كما يريد، فهب أن القاضي والكاتب اختلفا في تدوين الوقائع في محضر الجلسة فرأي القاضي تدوين واقعة، ورأي الكاتب أن الواقعة ليست بالشكل الذي يريد القاضي إثباته فرفض الإثبات، فقامت المناقشة بين الفريقين، وكان من نتيجتها حدة أغضبت القاضي، فهل له أن يتهم الكاتب بالإهانة والاعتداء، ثم يحكم عليه لأنه لم ينفذ أمره، فيما لا يجوز أن يأمر فيه ؟!!
لا يمكن لأحد أن يتوهم أن هذا الكاتب الحريص على واجبه، والصادق في تأديته يصبح بسبب هذا الصدق، مهددًا بالعقوبة، ويكون الذي يعاقبه هو نفس ذلك القاضي الذي طلب إليه أن يثبت في محضره واقعة قد يجوز أن القاضي أساء الفهم فظن أنها وقعت كما فهم، وهي لم تقع !!
هذا هو الحال بالضبط بالنسبة للمحامي، فإننا أمام واجبات تتلاقى، كل من الفريقين أمين على واجبه، وليس بينهما سوى التفاهم بالحسنى، فإذا تعذر التفاهم، واحتد أحدهما على الآخر، فلا بد لهما بمن يفصل بينهما.
على هذا تكون المادة (86) الخاصة بالتشويش بالنسبة للموظفين فقط، والمادة (89) الخاصة بالتشويش والاعتداء بالنسبة لغيرهم إنما الغرض منهما، هو ذلك التشويش الذي يصدر من شخص لا تربطه مع القاضي - رابطة مقررة - وفي ظرف لا يكون يؤدي فيه لدى القاضي واجبًا مقررًا، كان من شأنه حصول ذلك النزاع الذي اعتبره القاضي إهانة، وهو تأدية واجب ليس إلا، وإن شذ عن الحد، فما كان للشذوذ في الواجب غير المحاكمة التأديبية إن وجد سببها.
البحث الثاني
في أن العمل الواحد قد يكون واجبًا إذا صدر من المحامي وهو اعتداء إذ صدر من الفرد:
لا شك في أنه لا يجوز لأحد من الجمهور الحاضر، أن يتقدم إلى القاضي، ليبدي اعتراضًا على عمله، أو ليقدم نقدًا، أو ليبين أنه أخطأ، وإذا صدر هذا من واحد من الجمهور، فقد اعتدى على القاضي طبقًا للمادة (89)، وحقت عليه العقوبة.
أما المحامي، وهنا يظهر لك الفارق العظيم بينه وبين الجمهور، ويظهر لك أن المادة (89) لا تعنيه أصلاً، فإنه بحكم مأموريته المقررة، من حقه بل يجب عليه أن يقول للقاضي لقد أخطأت كلما اعتقد أنه في الواقع قد أخطأ.
نقول هذا واجب، ولا ينازعنا في هذا القول منازع، وهو مع هذا قول فيه شيء من الإيلام، وإن شئت أن تنزل إلى إفهام طبقة الحاضرين في الجلسة من الشعب ففيه تصغير وإهانة، فهو اعتداء بالمعنى اللفظي للمادة (89).
لكنه عمل مشرف، عند من يدركون الواجبات، الموزعة على شخصين، يتفاهمان في دائرة واجب سامٍ، لا ينقص من قدره أن إفهام بعض الطبقات لا تدركه.
تتحدث النيابة في مذكرتها (بكرامة القاضي)، وضرورة أن يحاط بسياج من التقديس والاحترام، (والمهابة، حتى يتمكن من أداء واجبه)، ثم تكتب (إن الشارع لهذه الغاية قد وضع من النصوص الصريحة، ما يكفل للقاضي وهو على عرش العدل المحافظة على احترام، وهيبة ذلك المجلس المقدس).
هذا صحيح، لا يعارض فيه أحد، غير أنه في الوقت نفسه، كلام عام مرسل، هو إلى الأسلوب الخطابي أقرب منه إلى البحث القانوني، ونبرئ واضع المذكرة من احتمال أنه قصد بوضع هذه الكلمات حمل القضاة على العقيدة بأن كرامتهم مرتبطة بسلطة حبس المحامين في الجلسات، واعتبارهم جناة إذا هم نطقوا بكلمة لا ترضيهم.
نريد أن نبحث هل من معاني احترام القاضي، أن تتلاشى أمامه إذا أخطأ، كل الحقوق والواجبات، فتسقط حقوق الأفراد وتبطل الأنظمة الموضوعة للمصلحة العامة، بل نذهب الضمانات المقررة لاحترام أحكامه، فلا يبقى من كل هذا إلا أن القاضي يتمتع بسلطة استبدادية مطلقة لا حد لها، فلا يجوز لأحد أن يعترض وإلا حقت عليه العقوبة !
ولا نظن أن النيابة تريد شيئًا من هذه الفوضى، بل لا نظن أن القاضي العليم بموجبات كرامته، والمؤمن بجلال مهمته، يرضى لنفسه أن يكون ذلك المستبد المعصوم من الخطأ، فلا يقبل على عمله اعتراضًا !!! من محامٍ جاء إلى الجلسة بحكم القانون للمعاونة على إدراك الصواب وطريقه.
قررت في صدر بحثي أنها مسبة للمحاماة أن يطلب المحامي امتيازًا هو خروج على القانون وامتهان لحقوق الناس، فلا لوم علينا إذ قلنا إننا نرجو للقاضي ما نرجوه لأنفسنا من الكرامة فجلال القاضي أو (قدسيته) كما تعبر النيابة مرتبطان بمظهر تنفيذ القانون، واحترام حقوق شركائه في العمل، وتحمل أداء الواجبات التي فرضت على كل من يساعده في أعماله التمهيدية الموصلة للحكم قبل أن يؤدي مأموريته التي يمتاز بها ولا يشاركه فيها أحد وهي إصدار الحكم.
أما قبل هذا فلا مأمورية، ولا واجب له، سوى السماع، واستيفاء إجراءات القانون كاملة !! وبحث كل اعتراض يوجه إليه، فربَّ اعتراض يؤلمه، لكنه يعصمه من الخطأ !!
بناءً على هذا يجب أن نقول إن واجبات المحامي إزاء القاضي هي بذاتها، المقررة عليه بحدودها، وشروطها، قبل زملائه، وقبل الشهود، وقبل الخصوم، وقبل الخارجين عن الخصومة، وذلك مع ملاحظة الفارق الذي يقتضيه مراكز كل من هؤلاء.
إن المحامي في جلسة القاضي لا غرض لمأموريته إلا إلفات النظر إلى مواضع الخطأ في جميع أشكاله، ومقاتلته في جميع أسبابه كيفما كانت أقواله، ومهما ألبسها من مظاهر التلطف في التعبير، أو البلاغة في الإقناع، فهو يعمل على توجيه فكرة القاضي إلى غرض معين.
والفائدة الاجتماعية من تنظيم مهنة المحاماة إنما تنحصر في احتمال أن يكون ذلك الغرض الذي يوجه المحامي فكر القاضي إليه لم يرد على خاطره، ولم يحسب له حسابًا، فالقاضي يجلس محاطًا بكل أنواع الاحترام والإجلال، إلا أنه إنسان، معترض للخطأ، بل هو لا يهمه إجلال الناس إذا لم يكن إنسانًا مثلهم - معرضًا للخطأ مثلهم - لكنه يمتاز عنهم في سمو مأموريته، ويفضلهم حقيقة في إخلاصه لإقامة العدل، وهذا الإخلاص بعينه يقتضي أن يتقي مواضع الخطأ، وأن يشكر من يلفته إليه،، فإن العصمة ليست من أقدار الإنسان.
1 - يواجه المحامي القاضي بأنه أخطأ في حكم صدر منه غيابيًا، أو في أمر صدر على عريضة، وقد يكون الخطأ في مسألة قانونية فُهمت على غير ما يجب، فيدلل المحامي علنًا، وعلى ملأ من الناس أن وجه الصواب فيها على غير ما فهم القاضي، فيشرح النقطة المقصودة، ويبين حدودها وأركانها، وأصولها وفروعها، ولم يقل أحد أن هذا يعتبر تعديًا على مركز القاضي لأن المحامي قد وصفه بالجاهل لأحكام القانون، بل يفرح القاضي لهذا فرح العادل بإدراك الحق، ثم يعدل عن رأيه وينضم إلى رأي المحامي، وفي هذا العدول جلاله وشرط احترامه.
2 - كذلك المحامون أمام محكمة الاستئناف يدللون على خطأ القضاة بكل قوة، وتصدر أحكام الاستئناف معلنة أن القضاة قد أخطأوا، ومهما كان الخطأ جسيمًا، فلم يخطر على فكر أحد إن في إعلان هذا الخطأ اعتداء على كرامة من أخطأ.
3 - ألا ترى، فضلاً عن حالات الحكم الغيابي، والأوامر التي تصدر على العرائض، إن المحامي يواجه المحكمة، بأنها أخطأت، عند المرافعة بعد حكم تمهيدي صدر، وبعد تنفيذه فعلاً فيدلل على أن هذا الحكم قد صدر خطأ، ويطلب إلى نفس القاضي أو إلى نفس المحكمة التي أصدرته، أن تعدل عنه في مبدأه، وأن تمحو الأثر الذي صدر عنه، وأن تعلن بنفسها في حكم جديد، أنها قد أخطأت في قضائها الأول وأنها تعدل عن ذلك القضاء إلى قضاء جديد !!!
4 - ثم ألا ترى أن المحامي يواجه محكمة الاستئناف بأنها أخطأت في حكمها، ويطلب إليها أن تعدل عنه من طريق الالتماس ؟! ولا يدور في خلد أحد أن الشارع أراد في هذه الحالة الاعتداء على كرامة القضاة، والعبث باحترامهم !!
أين هذا الجلال، الصحيح، المُجسم، من القول بأن المحامي إذا قال للقاضي إن هذا خطأ فقد خرج عن حدود مأموريته واعتدى على ذلك الجلال الوهمي اعتداءً ؟!!
قلنا إن الاعتراض بالمواجهة يخالف الواقع، ونقول بعد هذا إنه يخالف ما نفهمه من آداب القاضي على وجهها الأكمل، لأن التفريق، بين القول بالخطأ مواجهة، والقول به في غيبته أمام محكمة أخرى، إلى حد جعل الأول اعتداء والثاني عملاً شرعيًا واجبًا، إنما معناه عجز القاضي عن إصلاح خطئه، وضيق نفسه عن سماع ملاحظة صادقة مهما كان الواجب فيها واضحًا !!
ثم نقول ثالثًا إن الاعتراض بالمواجهة وعدمها إنما يرجع في الواقع إلى أن القول بالخطأ في حالة الغياب لا يثير غضب النفس كما يثيره في حالة المواجهة، فينتقل بنا النظر إلى أن القاضي إذا غضب كان من حقه أن ينتقم، فنخرج بهذا عن أصول عقوبة الاعتداء، وحكمة تشريعها، وشرط تطبيقها، لأنها مقررة، لا إرضاء لشهوة الغضب، والغضب لا تشريع له، وليس من حق المخطئ أن يغضب، وليس من مظاهر العدل من جهته أن ينزل نقمته على من يرجو لخطواته السداد ويريد أن يبعده عن مواضع الزلل.
المسألة ترجع بنا دائمًا إلى التساؤل، هل وظيفة القاضي تتحمل التفاهم مع المحامي بيانًا للصواب والخطأ أو لا تتحمل ؟!
وقد وضح أنه لا مأمورية للمحامي غير هذا، ولا مأمورية للقاضي أيضًا غير سماع اعتراضات المحامي.
لا نقول إذن وجب أن نطلق العنان في الجلسة إلى حد التجاوز عن اللائق، فلا شك في أن المحامي من أدق واجباته، في أداء مهمته أن يكون حكيمًا، كلما وجد التصادم في الجلسة بين رأيه وبين رأي القاضي أو عمله، فعليه أن يختار من العبارات أحسنها فيكون إلى إدراك غرضه في الحادثة المعينة أقرب، وإلى اكتساب ثقة القضاة وتقديرهم لحسن أساليبه أمكن.
غير أنه إذا أخطأ السبيل فالمسألة مهارة فنية، ومقدرة في صناعة الكلام، لا تعلق لها بقانون العقوبات، ولا تتصل بحوادث الاعتداء، وقد يكون الخطأ بسيطًا فلا مسؤولية عليه غير أن يُعرف عن المحامي بأنه محدود الكفاءة في مهنته، وقد يكون الخطأ جسيمًا، فتبدأ المسؤولية التأديبية.
ومن هنا يظهر لك أيضًا أن حسن النية أصل مقرر في مناقشة المحامي، مهما ظهر في ألفاظها من دلائل الحدة، لأنه يؤدي واجبًا، وهذا هو قصده، وغرضه، فتحويل هذا القصد الشريف قانونًا، ونظامًا، إلى قصد سيئ، يستحق العقوبة، خروج بنا عن الموقف المقرر إلى نقيضه، وهو موضوع قضية معقدة، لا يتيسر لقاضي الجلسة أن يكون هو الفاصل فيها.
(تكون المحكمة مختصة بإصدار الحكم بالحبس مدة أربع وعشرين ساعة على من يقع منه
تشويش في الجلسة، وينفذ حكمها في الحال، وبإصدار الحكم بالعقوبة على من تقع منه جنحة
في الجلسة سواء كانت في حق المحكمة أو أحد أعضائها المأمورين الموظفين بالمحاكم).
قد يقوم بين المحامي - وهو يترافع وبسبب هذه المرافعة - وبين القاضي جدل، يتحول إلى مناقشة تأخذ من مظاهر الحدة ما لا يحسن، فيعتقد القاضي أن المحامي قد أهانه، ومن حقه أن يحكم عليه تطبيقًا للمادة (89) - فهل هذا العمل صحيح - وبعبارة أبسط، هل يجوز للمحكمة أن تحكم على المحامي بالعقوبة بسبب موقفه في الجلسة وهو يترافع ؟
لا بد أن نبين من الآن أننا لا نقصد بوضع السؤال أن المحامي غير مسؤول إذا اعتدى على القاضي، فهذا مما لا نرضاه لكرامة المحاماة، فضلاً عن كرامة القضاة، بل إنها لمنقصة لمن يرجو أن يكون في حل من المسؤولية إذا اعتدى.
إن شرف المحاماة مرتبط بأن نؤكد بأعمالنا أننا حقيقة شركاء القاضي - في أداء العدالة - لا نريد امتيازًا لمن يخطئ خطأ يدخل في حدود المسؤولية التي قررها القانون.
إنما نريد بالسؤال أمرًا بسيطًا محدودًا، هو مع تأكيد المسؤولية بسبب الاعتداء إذا وقع، هل يجوز أن تكون محاكمة المحامي في نفس الجلسة التي يترافع فيها، ومن نفس القاضي الذي يترافع أمامه، أو يجب أن تكون محاكمته أمام المحكمة المختصة العادية، وبمعرفة قاضٍ غير الذي حصلت الحادثة في جلسته، فكانت عراكًا بينهما ؟
البحث في هذه الحدود نراه بسيطًا سهل الحل، لكنه قد أخذ مظاهر المباحث المعقدة، فاختلفت فيه الآراء، وتناقضت الأحكام.
وما كان هذا - على ما نعتقد - لغموض في الموضوع أو لصعوبة في حله حلاً يتفق مع المبادئ القانونية ومع مصلحة العدالة، ومع كرامة القضاء، بل كان لأن للشهوة فيه دخلاً عظيمًا، فإن القاضي يأبى إلا أن يكون له الحق في عقوبة من اعتدى عليه، وألفاظ المادة أمامه، عامة صريحة.
أما المحامي فيريد أن لا يكون مهددًا في تأدية واجبه، وفي نفس اللحظة التي يؤديه فيها، ودعوى الاعتداء، إلا ما ندر والنادر، لا حكم له، مأخوذة بلا شك بسبب تأدية هذا الواجب ولأجله.
وواضح أن أحكام القضاة كانت قضاء في حق أنفسهم وتأكيدًا لسلطتهم.
لأجل هذا فلا عجب أن نرى هذا الاضطراب يتمشى في طريقة الاستدلال عند كل من الرأيين، لأن الحرج في المناقشة من شأنه أن يفسد عند الجانبين سلامة التقدير، وأنك لا ترى في حجة كل من الفريقين ما يفيدك إثباتًا ونفيًا، وإذا أردت أن نرجح بينهما كأن الترجيح تعقيدًا فوق تعقيد.
يرى أصحاب البنديكت أن المادة لا تنطبق على المحامي، ويسندون رأيهم (جزء 11 صفحة 129 فقرة 538)، إلى أن المادة قد وضعت لحماية المحامي لأنه داخل ضمن الأشخاص المعبر عنهم بكلمات (المأمورون الموظفون بالمحاكم)، يقولون ولا يقول إن تكون المادة قد وضعت لحماية المحامي، ومع هذا يجوز أن تكون مقررة لعقوبته.
غير أن الضعف في الاستدلال ظاهر، إذ ليس من الهين التسليم بأن المحامي داخل في من أرادهم الشارع بقوله.
(المأمورون الموظفون بالمحاكم officiers de justice).
بل لو سلمنا بأنه يدخل فيهم، فلا نفهم معنى تلك الحجة الكلامية التي تصاع في أنه لا يعقل أن يكون القانون الذي يحمي هو بذاته الذي يعاقب، فإن هذا على ما نفهم هو شأن القوانين جميعها فإنها وضعت لحماية من لا يعبث بها، ثم لعقوبة من يعبث بها من أولئك الذين وضعت لحمايتهم:
أما الرأي الثاني فالضعف في إسناده أظهر، تراه قائمًا على أن المحامي في الجلسة مثله مثل الأفراد لا يمتاز عنهم في شيء، على أن هذه القضية بذاتها هي محل البحث فإعادتها لا تصلح للتدليل عليها.
ثم تراه بعد هذا مسندًا إلى ضرورة المحافظة على كرامة القضاء، وهيبته، وهذا كلام لا دليل فيه غير أنه يرضي.
ولأنه يرضى فهو خطر، يجب استبعاده من الاستدلال، ولولا أنه خطر لظهر عند التأمل أنه غير صحيح في واقعته لأن كرامة القضاء لا تتأثر بواقعة اعتداء أيًا كانت، بل هي باقية، ثابتة بعد أي اعتداء كما كانت قبله، ولعل الذي يفهم معنى كرامة القضاء يسلم معنا بأن الرأي الأول أليق بكرامة القضاء على وجهها الصحيح كما سنبين ذلك في موضعه.
هذا مظهر الرأيين فإذا وقفنا في بحثنا عند استدلال كل من الفريقين كان في الترجيح بينهما شيء من الصعوبة فلا بد أن نرجع إلى أصل النظام القضائي، وإلى قواعد القانون الكلية، وإلى المبادئ العامة لنصل إلى حقيقة قضائية مقنعة.
قد يقال إنه لغرور ظاهر !!! لكن الذي يؤدي واجبًا لا يعنيه ماذا يقال، وإلا فقد وقف دون الواجب، على أني أعرض ملاحظات يستطيع كل من فكر ودقق، في مواقف المحامي، وفي عمله، وفي أحكام القوانين المتعلقة به، أن يصل إلى الحقيقة في أمرها.
ولعل غيري كان قادرًا أن يقدمها للناس بأحسن تدليل فلست أطمع في أكثر من توجيه البحث إلى طريقه الصحيح على ما وصل إليه نظري، ولمحكمة النقض أن تحل هذا الأشكال بحكمتها تقريرًا للواجبات وتأكيدًا للتضامن بين عنصري العائلة القضائية، على ما يجب أن يكون.
البحث الأول: مركز المحامي في الجلسة
- إنه يمثل مأمورية عامة لا يملك القاضي تعطيلها.
ليس من الضروري أن يكون المحامي داخلاً ضمن الذين تشير إليهم المادة (89) بكلمات (المأمورين الموظفين بالمحاكم) كما يقول الرأي الأول، ولكن المحامي مع هذا ليس فردًا من الأفراد يستوي حكمه إذا حضر في الجلسة مع أفراد الجمهور الحاضر كما يقول الرأي الثاني.
إن المحامي يحضر في الجلسة على أن له مأمورية اجتماعية، حسبها المشرعون من قديم ركنًا من الأركان الضرورية لتوزيع العدالة، وعمادًا في البناء القضائي، فليس هو في الجلسة فردًا بل تقرر على الدوام ومع اختلاف الأزمنة أنه شريك للقاضي في حدود الدعوى التي يحضر فيها، وأنه ممثل لفكرة أرادها الشارع ومنفذ لغرض اجتماعي مقرر.
المحامي يمثل الخصم الذي يترافع عنه - ظاهرًا - لكنه في الواقع يمثل مأمورية المناقشة اللازمة، لتنوير الدعوى، وظهور الحقيقة، وتكوين فكرة للقاضي، ولا يمنع هذا أن المحامي، يترافع باسم أحد المتقاضين، لأن هذا التخصص كان لازمًا من باب، توزيع العمل، وتقسيم المأموريات، لتتساعد الأفكار المختلفة في نواحي المناقشة، والبحث، فيكون من مجموع جهودها ما يوصل إلى الحق بقدر المستطاع.
القاعدة التي لا نزاع فيها أن المحاماة مأمورية مقررة، وضع نظامها لمصلحة عامة، وإن ظهرت عند التنفيذ في شكل مصلحة خاصة.
نريد أن تظهر هذه الحقيقة، لا من طريق التدليل النظري، فقد لا يكون ملزمًا لإسناد الأحكام، بل من طريقها القضائي، ومن طريق الأنظمة الموضوعة، والنصوص المكتوبة.
إنك لتجد هذه الحقيقة مكتوبة في معناها إذا لم تجدها في لفظها إذا تصفحت أي قانون من قوانين العالم، وأينما وقع نظرك، ومهما كان القانون الذي تقرأه.
1 - خذ قانون المحاكم المختلطة مثلاً، وقد اخترناه لأنه أقدم تشريع نظامي صدر في مصر، تجد المحامي في لائحة تنظيم القضاء ركنًا من أركان بنائه العام، وتجده محوطًا بثقة خاصة، ليست لأحد سوى فريق من الموظفين القضائيين، فتجده يحتكر حق الكلام أمام محكمة الاستئناف ثم تجد مقامه في تأسيس المحاكم المختلطة مع القضاة، والمستشارين، وموظفي المحاكم، في مستوى واحد، وتحت حكم واحد فيما يختص بالتأديب بغير تمييز ولا فارق، وفي هذا تصريح بأن مأمورية المحامي، ركن من النظام القضائي، في وجودها، وفي زوالها، إذ هي توجد وتزول، بنفس الطريقة التي توجد وتزول بها وظيفة القاضي سواء بسواء.
قلنا إن لقوله في حدود وظيفته ثقة خاصة، لا تتحقق إلا في شأن المأموريين الرسميين، فنجد تفريغًا لهذا الأصل وتنفيذًا لحكمه، إن المحامي يحضر في الواقع ممثلاً لمأمورية اجتماعية وكلت إليه، وتأكدت له الثقة من أجلها، فهو مصدق بمجرد قوله إنه وكيل عن أحد الخصوم، فلا يطلب منه توكيل.
وأنك تقدر هذه الثقة، وأثرها على الحق المتنازع فيه، فإن المحامي يترافع في الخصومة والقاضي يقضي بناءً على تلك المرافعة، فهي عماد الحكم، وقد يعترف المحامي، وقد ينكر، والقاضي ملزم بأن يأخذ هذه التقريرات مجردة عن كل دليل فيما يختص باتخاذها حجة على الموكل وعمادًا لحكمه.
أرأيت مثل هذه الثقة مقررة في حق موظف من الموظفين، كيفما كان مركزه ؟!
إن القاضي إذا قرر واقعة فهي لا تعتبر صحيحة إلا إذ دونها في محضر وساعده في التدوين كاتب، ثم وقع صاحب الشأن معه.
أما المحامي في تقريره بوكالته، فهو مصدق بقوله مجردًا عن كل دليل، وعن كل محضر، ولا سبيل لتعليل هذا إلا بأنه في نظر القانون مأمور حقيقة بخدمة عامة، فحققت له تلك الثقة المقررة للمأمورين جميعًا، بل كان مظهرها في حقه أبلغ.
2 - يدلك على أنه لا يحضر في الجلسة رسولاً عن الموكل الذي يترافع عنه، أن الموكل ليس له أن يبعث من يريد، بل لا بد له أن يلجأ إلى من أولاه الشارع ثقته، واشترط في تقريره محاميًا شروطًا خاصة، هي بذاتها الشروط التي يقتضيها في حق القاضي بلا فرق.
فالشارع حينئذٍ يضع مهمة القضاء بين جهتين، يستلزم لهما من شروط الكفاءات شروطًا واحدة، ومن شروط التأديب شروطًا واحدة، ومن شروط الاستقامة شروطًا واحدة، ثم بعد هذا تراه يوزع عليهما العمل، فللمحامي الأعمال التمهيدية، وللقاضي الكلمة الفاصلة والقول الحاسم، فتصوير المحامي وهو في الجلسة يترافع بأنه فرد من الأفراد أو قائم مقام الفرد صاحب الخصومة إنما هو خروج عن الواقع، وعن المقرر بنصوص القوانين.
3 - إن مأمورية المحامي في الجلسة لا تتوقف على توكيل أحد المترافعين، بل يريد القانون لو أنها تؤدي على الدوام - وفي كل القضايا - ورغمًا عن إرادة المترافعين أصحاب الشأن، ولهذا كان من أجمل موقف المحامي أن يتطوع في الجلسة للدفاع عن مترافع يراه صاحب حق، ويراه عاجزًا عن التدليل عليه، وفي هذا الظرف لا يستطيع القاضي أن يقول له، مالك ولهذا ؟ ولم يوكلك الخصم ؟!
ليس لهذا معنى، غير أن مأمورية المحامي، هي في الواقع مأمورية تقررت على أنها من كفالات العدالة وشروطها، فكلما ظهر المحامي في الجلسة، بتوكيل أو بغير توكيل، ليؤدي هذه المأمورية، تعين سماعه، ليكون نظام العدالة أدق وأكمل.
بل إنك لو رجعت إلى تلك العصور الأولى التي قامت فيها المحاماة، قبل أن توجد لها أنظمة وقواعد، وقوانين، وجدتها قد تأسست على أنها ظاهرة من ظواهر الطبيعة التي لا تقبل المناقشة فقبلها القاضي على أنها نور يرشده ولجأ إليها المترافعون كأنها سفينة النجاة، ولا يزال أثر هذا القديم حاصلاً كلما تطوع محامٍ في الجلسة لمساعدة عاجز عن المرافعة فشكره الناس بل كان القاضي أول من يشكر.
4 - كذلك عملاً بهذا الأصل وتنفيذًا له، تجد أنظمة المحاماة في كل بلد مجمعة على أن مأمورية المحامي، ملك للمتقاضين جميعًا وبدون استثناء، فهي ليست تجارة للربح، ولا طريقة للعيش، فلا ينتفع بها إلا من كان قادرًا على دفع الأتعاب، بل هي مأمورية عامة، مثلها مثل مأمورية القضاء بالضبط، للفقير فيها حظه كالغني، فكل من لا يستطيع أن يعين محاميًا لفقره من حقه أن ينتفع بهذه المأمورية الاجتماعية، وليس عليه سوى أن يقصد المحامي أو مجلس النقابة، أو القاضي فيجد حالاً محاميًا يتحمل المشاق للدفاع عنه، بلا مقابل، ولا مصلحة غير نصرة الحق !!
باسم من يحضر هذا المحامي ؟! وما هو ذلك الواجب الذي يلقى على كاهله فلا يستطيع أن يتمايل، سوى أنه واجب العدالة الاجتماعي يطالبه بأداء حقه، وقد تخصص له، فوجب عليه تلبية النداء كلما سمعه، لا فرق بينه وبين جندي وهب نفسه للدفاع عن بلده غير أنه جندي السلام يقاتل الباطل ويدافع للحق، وما هي المصلحة الاجتماعية التي تفضل هذه المصلحة ؟!!
لا سبيل لتعليل هذا غير أن المحاماة مأمورية عامة حقًا، وواجب اجتماعي لا نزاع فيه، تقررت شرطًا لعدالة القاضي فليس للقاضي أن يهدم ركن عدالته بيده ؟
5 - عملاً بهذه القاعدة أيضًا، تجد القوانين، صريحة في أن القاضي غير كفؤ وحده للفصل في قضايا معينة، بل لا بد للثقة بحكمه، وللاطمئنان إلى رأيه أن يكون معه المحامي، شريكًا، عاملاً، فتجد بعض القوانين تشترط هذا في الجنايات، وبعضها تشترطه في الجنايات، وفي الجنح أيضًا، وبعض القوانين يجعل لهذا العمل أتعابًا تدفعها الخزينة العامة، وبعضها تجعله مجانًا وبلا مقابل.
أترى أن الحكومة تكلف خزانتها أن تدفع المال للمحامي ليشترك مع القاضي عبثًا ولهوًا ؟!
ولمجرد أن يزيد في عدد الحاضرين بالجلسة فرد من الناس يستوي حكمه مع حكم أفراد الجمهور فيما عدا أنه يلبس رداءً أسود ؟!! أو لا بد أن تكون هذه الأنظمة نتيجة لتلك القاعدة الثابتة وهي أن المحامي يؤدي مأمورية اجتماعية، هي أساس لاطمئنان الناس على العدالة بينهم، فهي جزء أصلي لمأمورية القاضي يتحقق حكمها وأثرها، كلما وجد ظرفها وحضر المحامي فعلاً.
6 - تجد أثر هذه القاعدة أيضًا، في نص بعض القوانين على أن المحامي يؤدي يمينًا بأن ينفذ مأموريته بالصدق والنزاهة، فهو في هذا مثله مثل القاضي، فيمين كل منهما واحدة، كما كانت شروط الكفاءة عندهما واحدة.
ولو أن المحامي يمثل الخصم، لاستحال أن يكلف باليمين على هذه الصورة.
7 - كذلك، تجد أثر القاعدة في تدوين الواجبات التي على المحامي، وفي أسباب تأديبه، فإن واجباته ثقيلة الكلفة واسعة المدى، تكاد تجرده من كثير من حقوق الإنسان، بل تكاد تخنقه خنقًا، إذ المبالغة فيها تتدفق من كل ناحية، حتى لقد كان من أسباب محو الاسم في بعض الأنظمة أن يطلب المحامي تقدير أتعاب ضد موكله.
ومهما قلت بأن هذا أثر باقٍ من أصل نشأة المحاماة حيث كانت مروءة ونجدة، لكنها قد تطورت، وأصبحت عملاً لا بد من تقدير أتعابه، مهما قلت هذا فإن ذلك الأصل القديم دليل على أن المحاماة ليست تظاهرًا بالبلاغة ولا تجارة، ولا طريقًا للعيش، بل هي مأمورية، اجتماعية، حقيقية، تشكلت في أول عهدها على قدر الإفهام، بالمروءة والنجدة، أي بأحسن نزعة في قلب الإنسان، ثم تشكلت مع تقدم الفكر القضائي بأنها شرط للعدالة، وركن لفهم القاضي، وهذا هو مقامها في القوانين العصرية تراه مكتوبًا في جميع النصوص معنى وحكمًا.
لهذا لا تزال واجبات المحامي، من حيث النزاهة، والاعتدال، والرفق، والصدق، واصلة به إلى أسمى مراتب الفضيلة، لا فرق بينه وبين القاضي.
بل نجد من واجباته أن لا يعمل لتوسيع رزقه، في دائرة الحلال والاستقامة، فليس له أن يتاجر، وليس له أن يكون موظفًا في الحكومة، وليس له أن يكون عضوًا في شركة، إلى آخر ما تعلم من تلك الواجبات، التي تنقص من حقوقه المدنية العادية، كأنه قد تجرد من أهم حقوق الفرد أو كأنه قد زهد في متاع الحياة، فأصبح بقوته، ونشاطه، ومقدرته، وقفًا على تمهيد سبل الحكم في حقوق الناس، فكان لا بد له أن لا يشتغل بغير هذا، ولا يفكر في غير هذا، وأن فكر فقد خان واجبه المقرر.
8 - تحقيقًا لهذا الأصل أيضًا، تجد المحامي إذا ترافع لا يرتبط بأقوال الذي يدافع عنه، خصوصًا في قضايا الجنايات والجنح، فإن المتهم قد يعترف بالجريمة، لكن المحامي يعارضه، ويدلل على كذبه وهو في هذا الموقف، ذو ولاية عامة، تلقاها من القانون، وهي ولاية تضعه في موضع قاضي، لا نظير له بين القضاة، لأنه هو وحده الذي يملك أن يقول إن المتهم كاذب، وهو وحده الذي يمهد هذا السبيل للقاضي، بحيث إذا لم يقترح المحامي هذا الاقتراح خرج بحثه عن ولاية القاضي، والمحامي يعرضه كما رأيت من تلقاء نفسه !!! بل ورغم المتهم الذي يدافع عنه، وعلى عكس أقواله، فهي ولاية اجتماعية لا شك فيها، ولا نظير لها !!!
حينئذٍ هو خطأ جسيم أن يقال إن المحامي يحضر عن صاحب الشأن، ويعمل لمصلحته، بل هو قول باطل، تنقضه كل مواقف المحامي، كيفما تأملتها، ولا بد لنا أن تقف عند هذه الحقيقة المؤكدة:
وهي أن المحامي، يمثل واجبًا اجتماعيًا، ومأمورية اجتماعية، علم الناس ووثقوا أنها ركن من أركان العدالة، فوضعت الأنظمة لتقرير أحكامها، وبيان حقوقها وواجباتها.
وحينئذٍ هو خطأ أيضًا أن يقال إن المحامي يدخل ضمن الأشخاص المشار إليهم في المادة (89)، بكلمات (المأمورين، الموظفين بالمحاكم)، بل إن تقاليده وواجباته ولائحته بنصها الصريح، كل هذا يمنع أن يكون من الموظفين، أو من المأمورين، وإنما هو رسول القانون، وممثل الركن الأول من أركان العدالة في مجلس القاضي، يحمل ويؤدي واجب البحث والمناقشة، ويحمل ولاية العاجز عن الدفاع لقصر، أو جهل، وولاية كل من قهره البؤس فطوح بنفسه إلى جحيم المجرمين اعتباطًا.
هذا هو مركز المحامي في الجلسة، وذلك موقفه القانوني بلا فلسفة، وبلا إجهاد في النظريات، فما أغنانا، عن البحث، كما بحث أصحاب البنديكت، وغيرهم، في هل هو يعتبر ضمن المأمورين القضائيين أو لا يعتبر منهم.
بناءً على هذا نستطيع أن نؤكد أنه لا يمكن أن يكون شأن المحامي في الجلسة هو بذاته شأن كل فرد من الأفراد الذين شرعت المادة (89) لحماية المحكمة من تشويشهم واعتدائهم.
ذلك، لأنه متى تقرر، والأمر واضح، أن المحامي لا يمكن أن يستوي بأفراد الجمهور الحاضر، فقد خرج من حكمهم، وخرج من حكم المادة (89)، الموضوعة بنصها الصريح لهذا الجمهور وحده.
إن المحامي، بحكم مهمته الاجتماعية حر في تأديتها كما يملي عليه ضميره، لا يخضع فيها لأحد، وإذا قلنا لا يخضع لأحد فلا نعني بهذا غير القاضي الذي يسمعه أولاً وبالذات، فليس لقاضي الجلسة أن ينازعه في طريقه الذي وضعه لتأدية تلك المهمة، وليس له أن يطلب منه أن يوجه بحثه إلى غير التوجيه الذي يراه.
نقصد ليس له ذلك أي من باب السلطة والأمر، ولكن له طبعًا، من باب التفاهم، ورغبةً في الإقناع، أن يسأل وأن يناقش، وللمحامي أن يصر على رأيه، وأن يزيد في التدليل، على ما أراد، وأن يصمم على الغرض الذي يرمي إليه.
المسألة هنا واجبان يتلاقيان، وقد يُحدث هذا التلاقي حرجًا، وقد يثير الغضب، فيولد الاتهام من الجانبين، ويرى كل منهما أن الآخر قد تجاوز واجبه، فانتقلت المسألة من جنحة جلسة مادية صرفة إلى أنها نزاع بين فريقين، تستلزم بحثًا وتحقيقًا لمعرفة مَنْ مِنْ الاثنين قد تجاوز ذلك الواجب، ومَنْ مِنْ الاثنين كان غير مصيب، وهذا لا يتحقق منه شيء بالنسبة لفرد من الجمهور، فخرجت هذه الواقعة المعينة بحكمها، وطبيعتها، وموقف كل من القاضي والمحامي فيها، من حدود المادة (89).
إنما وضعت هذه المادة للجمهور الذي لا رابطة بينه وبين القاضي، غير أن يسكت، وأن لا يتكلم إلا بقدر ما يريد القاضي، وفي حدود سماحه، وهذا لا ينطبق على المحامي بحال من الأحوال ما دمنا علمنا أنه عضو قانوني، يؤدي مأمورية اجتماعية تريدها القوانين لمصلحة عامة، لا يملك القاضي تعطيلها، أو توجيهها إلى عرض معين، أو الوقوف في سبيلها، وإن فعل فقد اعتدى على النظام الذي يسند إلى سلطته.
وفي الواقع، فكيف تتولد على وجه العموم وفي أكثر الحالات، حوادث الاعتداء في الجلسة بالنسبة للمحامين إلا من باب تأدية الواجب ؟
يترافع المحامي فيقول قولاً على غير ما يرى القاضي، يعترضه القاضي فينشأ بين الاثنين مناقشة، تأخذ حدودًا لم تكن في الحسبان، يكون من حدتها ما يدفع بالفريقين أو بأحدهما، إلى ما يغضب، ومتى غضب القاضي فالمادة (89) في يده، والسلطة له مطلقة، فما أسرع من تطبيقها على المحامي، لهذا تتعطل سير العدالة، وينتقم القاضي لنفسه وهو في حدة الغضب انتقامًا لا راد له.
لست أريد بهذا، أن القاضي هو المعتدي، وأنه الغضوب المتسرع في كل حالة، لكني أقول، وأرجو دائمًا، أن لا يبرح هذا من الذهن، أننا في هذه الحالة الدقيقة لسنا أمام قاضٍ وفرد من أفراد الجمهور، بل أمام واجبين متعارضين، في الظاهر، وأمام مأموريتين اجتماعيتين لا بد لهما من التضامن في العمل، لتصلا إلى العدالة المقصودة، فإذا كان أحد الجانبين يؤدي واجبه وهو حر في تأديته، فهو مقدس ما د أنه يؤديه، وهناك بالنسبة له، نظرة تعصمه عن
سلطة القاضي المقررة لأفراد الجلسة، وهناك احتمال أن يكون القاضي هو الذي بدأ بالعداء، وهناك احتمال أن يكون القاضي هو المسؤول دون المحامي، فأصبح القاضي أحد الفريقين المتناظرين، وهذه الحالة من المحال أن تتحقق في حق فرد من الناس الذين شرعت لأجلهم المادة (89).
أنه لا يوجد من أعمال المحامي في الجلسة، ما يصعب جريًا مع المنطق، والاستعداد النفسي، أن تنتزع منها واقعة إهانة للمحكمة، فإن مأمورية المحامي تؤدي من طريق اشتراكه مع القاضي مباشرةً، ومن طريق مجاهدته في الرأي، ليسير في طريق معين.
هذا في واقعته وفي جوهره أكثر من التشويش، بل هو مجاهدة، وتصادم بين رأيين، وقد يكون من شأنه إحراج النفس ثم تحويلها إلى توهم السخرية بالرأي، فجنحة الاعتداء سريعة التكوين في نفس القاضي من مجرد القيام بالواجب وبدون أي سبب خارجي.
إذا علمنا أن مأمورية المحامي، شرط لازم لعدالة القاضي، فالنتيجة اللازمة لهذا حتمًا أن المحامي وهو يؤدي هذه المأمورية لا تدخل عقوبته في حدود سلطة القاضي لأن هذه السلطة نفسها شرطها احترام مأمورية المحامي، وتمكينها إلى آخر حدودها.
ولا يجوز للقاضي أن ينقض بعمله، شروط عدالته، فيمنع المحامي من تأدية عمله بحجة أنه قد اعتدى.
إن هذا الاعتداء إذا وقع لا يذهب أثره، ولا بد أن نتذكر دائمًا أن عقوبته محققة باقية لا تضيع سُدى، ونتذكر دائمًا أننا هنا أمام واجبين اجتماعيين، والواجبات الاجتماعية، لا تتعارض ولا تتناقض، فيجب أن يترك المحامي يؤدي واجبه، ثم للقانون، بدون تعجل ولا انتقام، أن يقتص منه بعد ذلك فيقدم إلى السلطة المختصة لمحاكمته على الاعتداء الذي وقع منه.
هب أنك أمام محكمة جنائية، وأهم ما فيها بحث في شهادة شهود وتدوين لأقوالهم، وهب أن الرئيس قد اعتقد أن الشاهد قد أجاب بكذا، فأملاه على الكاتب، والواقع أن الرئيس أخطأ في السماع، فاعترضه المحامي بأن الشاهد قال غير هذا، أفلا يكون من هذا تهمة اعتداء، أبسط ما يقال فيها إن المحامي قد اتهم الرئيس بأنه يزور محضرًا رسميًا، أو بأنه لاه عن سماع الشهود، والاعتداء قائم في الحالتين ؟!
حينئذٍ تكون النتيجة، أن هذا المحامي، ووجوده شرط لصحة عمل القاضي، ووجوده إنما لوحظ لأجل هذا الواجب الذي يؤديه، ولأجله فقط، تكون النتيجة أنه قد استحق الحكم بالحبس، لا لشيء سوى أنه أدى واجبه، فكان في تأديته إيلامًا للقاضي، ومن ذا الذي يعطي سلطة الانتقام إذا غضب فلا يستعملها ؟!
لا شك عندنا في أن الرأي القائل بجواز استعمال المادة (89)، في حق المحامي يخرج بنا عن كل ما يدركه العقل، إذ تذكر هذه الواجبات المقررة، وعن كل ما يحققه القانون في نصوصه المختلفة من وجود المحامي، ومن القيام بمأموريته:
قد يجوز أن يكون اعتداء المحامي واضحًا وضوحًا لا ريب فيه، بحيث لا يحتمل الموضوع تأجيلاً ولا محاكمة يجب تحويلها على محكمة أخرى، وعلى هذا فقد يعترض: ما معنى ضرورة التأجيل هنا، ولماذا لا ينفذ القاضي سلطته المقررة في المادة (89).
هذا اعتراض، لا يضعف شيئًا مما تقدم، بل هو رجوع بنا إلى الوراء، كأننا لم نتقدم بالبحث خطوة، فإن الاعتراض قائم على التسليم بأن المادة (89)، يدخل في حكمها المحامي حتمًا، وهذه هي المسألة المراد بحثها وتقديم الدليل عليها، فإذا ما دللنا، على أن المحامي لا يمكن أن يدخل في حكم المادة، فلا معنى للاعتراض، بجواز أن يكون خطأ المحامي واضحًا، لأن هذا الوضوح موضعه هناك أمام القاضي الذي يحكم في الموضوع وليس من شأنه أن يدخل في حكم المادة ما لم توضع لأجله.
على أن هذا الاعتداء المفترض خيالاً والمجرد عن كل ملابسة، لتأدية الواجب، هو بالطبع من الوقائع النادرة الشاذة، والشذوذ لا حكم له.
إنما توضع القواعد للحوادث الغالبة، وحكمها أن تهمة الاعتداء إذا وجهت للمحامي فإنما هي ناشئة من تأدية واجبه وبسبب ذلك الواجب ما يتبعه من تصادم الرأي بين القاضي والمحامي.
على أن هذا الاعتراض يرد عليه بمثل حجته، وذلك بافتراض الحالة الشاذة، التي تقابله، وهي أن القاضي، وهو قوي، قد يغتر بسلطته، فيعتدي على المحامي اعتداءً واضحًا، فيكون المحامي في حل من رد الاعتداء بمثله، ولا يجوز للقاضي، أن يحكم في حق نفسه، فينتقم بعد أن كان معتديًا ؟!!
الصواب أن هذه الاعتراضات، الافتراضية، تتلاشى وتستقيم شروط العدالة، إذا قلنا إن هذه الحالة حالة خاصة، بمظهرها، وبحكمها، وبنتائجها ولا سبيل لتطبيق المادة (89) عليها، بل هذه مناقشة، بين فريقين، فلكل منهما الحق في أن يناقش، فإذا تحولت المناقشة إلى اتهام متبادل، فلكل منهما أن يحتمي ضد الآخر بواجبه، والواجبات لا تتعارض، فلا بد من تحويل خصومتها للمحكمة المختصة لتفصل فيها، تحقيقًا لمسؤولية كل منهما.
بقيت كلمة أخيرة يجب أن تكون ختامًا لهذا البحث.
قد يقال، نسلم إن للمحامي مأمورية مقررة في الجلسة، نسلم أنه رسول القانون، وأنه شريك القاضي في عمله، لكن هذا قد لا يحل الإشكال لأن للقاضي شركاء آخرين في الجلسة هم الموظفون معه، وهم أيضًا أصحاب مأمورية اجتماعية، ومع هذا جاز للقاضي أن يحكم عليهم إذا اعتدوا، فلماذا لا يجوز له أن يحكم على المحامي ؟!
قيمة هذا الاعتراض كلامية أكثر منها جوهرية.
أولاً: لأن البحث في هل للقاضي أن يحكم على الموظف بالعقوبة طبقًا للمادة (89) لا يزال باقيًا كله، ولا ندري هل تنطبق هذه المادة على الموظف أو لا تنطبق، فالاعتراض أساسه افتراض غير مسلم به أو عقدة غير محلولة، فهي لا تحل عقدة أخرى.
وثانيًا: لأن المادة (86) التي قررها الشارع لأجل الموظفين وحدهم لا تسمح بغير توقيع الجزاء التأديبي - دون العقوبة - فالاستدلال بها يؤيد رأينا.
وثالثًا: لأنه قد يكون الاعتداء من عضو من المحكمة فتسقط ولاية الباقين في الحكم، فالظاهر المادي أن المادة (89) لم توضع لهذه الحالة فهي حينئذٍ لا يجوز تطبيقها على الموظفين.
ورابعًا: لأن المادة (86) قاصرة على التشويش لا على أية جنحة أخرى، ومن هذا أيضًا تدليل صريح على أن المحكمة لا تملك الحكم على الموظف إذا أسندت إليه جنحة، فهي حينئذٍ لا تملك الحكم على المحامي لا لأنه موظف ولكن لأنه يؤدي واجبًا في الجلسة كالموظف.
وخامسًا: لأن الموظف عند إصدار المادة (89) كان خاضعًا في المسؤولية التأديبية للمحكمة، فلا غرابة في أن تؤدي هذه السلطة في الجلسة كما تؤديها خارج الجلسة.
هذا أما إذا أردنا التمثيل بالموظف، ليكون القياس كاملاً، فيجب أن تفترض الواقعة الآتية:
كاتب الجلسة أمين على محضر الجلسة، يدون فيه الوقائع كما تحصل، كما أن المحامي أمين على طريقة الدفاع يرسمه كما يريد، فهب أن القاضي والكاتب اختلفا في تدوين الوقائع في محضر الجلسة فرأي القاضي تدوين واقعة، ورأي الكاتب أن الواقعة ليست بالشكل الذي يريد القاضي إثباته فرفض الإثبات، فقامت المناقشة بين الفريقين، وكان من نتيجتها حدة أغضبت القاضي، فهل له أن يتهم الكاتب بالإهانة والاعتداء، ثم يحكم عليه لأنه لم ينفذ أمره، فيما لا يجوز أن يأمر فيه ؟!!
لا يمكن لأحد أن يتوهم أن هذا الكاتب الحريص على واجبه، والصادق في تأديته يصبح بسبب هذا الصدق، مهددًا بالعقوبة، ويكون الذي يعاقبه هو نفس ذلك القاضي الذي طلب إليه أن يثبت في محضره واقعة قد يجوز أن القاضي أساء الفهم فظن أنها وقعت كما فهم، وهي لم تقع !!
هذا هو الحال بالضبط بالنسبة للمحامي، فإننا أمام واجبات تتلاقى، كل من الفريقين أمين على واجبه، وليس بينهما سوى التفاهم بالحسنى، فإذا تعذر التفاهم، واحتد أحدهما على الآخر، فلا بد لهما بمن يفصل بينهما.
على هذا تكون المادة (86) الخاصة بالتشويش بالنسبة للموظفين فقط، والمادة (89) الخاصة بالتشويش والاعتداء بالنسبة لغيرهم إنما الغرض منهما، هو ذلك التشويش الذي يصدر من شخص لا تربطه مع القاضي - رابطة مقررة - وفي ظرف لا يكون يؤدي فيه لدى القاضي واجبًا مقررًا، كان من شأنه حصول ذلك النزاع الذي اعتبره القاضي إهانة، وهو تأدية واجب ليس إلا، وإن شذ عن الحد، فما كان للشذوذ في الواجب غير المحاكمة التأديبية إن وجد سببها.
البحث الثاني
في أن العمل الواحد قد يكون واجبًا إذا صدر من المحامي وهو اعتداء إذ صدر من الفرد:
لا شك في أنه لا يجوز لأحد من الجمهور الحاضر، أن يتقدم إلى القاضي، ليبدي اعتراضًا على عمله، أو ليقدم نقدًا، أو ليبين أنه أخطأ، وإذا صدر هذا من واحد من الجمهور، فقد اعتدى على القاضي طبقًا للمادة (89)، وحقت عليه العقوبة.
أما المحامي، وهنا يظهر لك الفارق العظيم بينه وبين الجمهور، ويظهر لك أن المادة (89) لا تعنيه أصلاً، فإنه بحكم مأموريته المقررة، من حقه بل يجب عليه أن يقول للقاضي لقد أخطأت كلما اعتقد أنه في الواقع قد أخطأ.
نقول هذا واجب، ولا ينازعنا في هذا القول منازع، وهو مع هذا قول فيه شيء من الإيلام، وإن شئت أن تنزل إلى إفهام طبقة الحاضرين في الجلسة من الشعب ففيه تصغير وإهانة، فهو اعتداء بالمعنى اللفظي للمادة (89).
لكنه عمل مشرف، عند من يدركون الواجبات، الموزعة على شخصين، يتفاهمان في دائرة واجب سامٍ، لا ينقص من قدره أن إفهام بعض الطبقات لا تدركه.
تتحدث النيابة في مذكرتها (بكرامة القاضي)، وضرورة أن يحاط بسياج من التقديس والاحترام، (والمهابة، حتى يتمكن من أداء واجبه)، ثم تكتب (إن الشارع لهذه الغاية قد وضع من النصوص الصريحة، ما يكفل للقاضي وهو على عرش العدل المحافظة على احترام، وهيبة ذلك المجلس المقدس).
هذا صحيح، لا يعارض فيه أحد، غير أنه في الوقت نفسه، كلام عام مرسل، هو إلى الأسلوب الخطابي أقرب منه إلى البحث القانوني، ونبرئ واضع المذكرة من احتمال أنه قصد بوضع هذه الكلمات حمل القضاة على العقيدة بأن كرامتهم مرتبطة بسلطة حبس المحامين في الجلسات، واعتبارهم جناة إذا هم نطقوا بكلمة لا ترضيهم.
نريد أن نبحث هل من معاني احترام القاضي، أن تتلاشى أمامه إذا أخطأ، كل الحقوق والواجبات، فتسقط حقوق الأفراد وتبطل الأنظمة الموضوعة للمصلحة العامة، بل نذهب الضمانات المقررة لاحترام أحكامه، فلا يبقى من كل هذا إلا أن القاضي يتمتع بسلطة استبدادية مطلقة لا حد لها، فلا يجوز لأحد أن يعترض وإلا حقت عليه العقوبة !
ولا نظن أن النيابة تريد شيئًا من هذه الفوضى، بل لا نظن أن القاضي العليم بموجبات كرامته، والمؤمن بجلال مهمته، يرضى لنفسه أن يكون ذلك المستبد المعصوم من الخطأ، فلا يقبل على عمله اعتراضًا !!! من محامٍ جاء إلى الجلسة بحكم القانون للمعاونة على إدراك الصواب وطريقه.
قررت في صدر بحثي أنها مسبة للمحاماة أن يطلب المحامي امتيازًا هو خروج على القانون وامتهان لحقوق الناس، فلا لوم علينا إذ قلنا إننا نرجو للقاضي ما نرجوه لأنفسنا من الكرامة فجلال القاضي أو (قدسيته) كما تعبر النيابة مرتبطان بمظهر تنفيذ القانون، واحترام حقوق شركائه في العمل، وتحمل أداء الواجبات التي فرضت على كل من يساعده في أعماله التمهيدية الموصلة للحكم قبل أن يؤدي مأموريته التي يمتاز بها ولا يشاركه فيها أحد وهي إصدار الحكم.
أما قبل هذا فلا مأمورية، ولا واجب له، سوى السماع، واستيفاء إجراءات القانون كاملة !! وبحث كل اعتراض يوجه إليه، فربَّ اعتراض يؤلمه، لكنه يعصمه من الخطأ !!
بناءً على هذا يجب أن نقول إن واجبات المحامي إزاء القاضي هي بذاتها، المقررة عليه بحدودها، وشروطها، قبل زملائه، وقبل الشهود، وقبل الخصوم، وقبل الخارجين عن الخصومة، وذلك مع ملاحظة الفارق الذي يقتضيه مراكز كل من هؤلاء.
إن المحامي في جلسة القاضي لا غرض لمأموريته إلا إلفات النظر إلى مواضع الخطأ في جميع أشكاله، ومقاتلته في جميع أسبابه كيفما كانت أقواله، ومهما ألبسها من مظاهر التلطف في التعبير، أو البلاغة في الإقناع، فهو يعمل على توجيه فكرة القاضي إلى غرض معين.
والفائدة الاجتماعية من تنظيم مهنة المحاماة إنما تنحصر في احتمال أن يكون ذلك الغرض الذي يوجه المحامي فكر القاضي إليه لم يرد على خاطره، ولم يحسب له حسابًا، فالقاضي يجلس محاطًا بكل أنواع الاحترام والإجلال، إلا أنه إنسان، معترض للخطأ، بل هو لا يهمه إجلال الناس إذا لم يكن إنسانًا مثلهم - معرضًا للخطأ مثلهم - لكنه يمتاز عنهم في سمو مأموريته، ويفضلهم حقيقة في إخلاصه لإقامة العدل، وهذا الإخلاص بعينه يقتضي أن يتقي مواضع الخطأ، وأن يشكر من يلفته إليه،، فإن العصمة ليست من أقدار الإنسان.
1 - يواجه المحامي القاضي بأنه أخطأ في حكم صدر منه غيابيًا، أو في أمر صدر على عريضة، وقد يكون الخطأ في مسألة قانونية فُهمت على غير ما يجب، فيدلل المحامي علنًا، وعلى ملأ من الناس أن وجه الصواب فيها على غير ما فهم القاضي، فيشرح النقطة المقصودة، ويبين حدودها وأركانها، وأصولها وفروعها، ولم يقل أحد أن هذا يعتبر تعديًا على مركز القاضي لأن المحامي قد وصفه بالجاهل لأحكام القانون، بل يفرح القاضي لهذا فرح العادل بإدراك الحق، ثم يعدل عن رأيه وينضم إلى رأي المحامي، وفي هذا العدول جلاله وشرط احترامه.
2 - كذلك المحامون أمام محكمة الاستئناف يدللون على خطأ القضاة بكل قوة، وتصدر أحكام الاستئناف معلنة أن القضاة قد أخطأوا، ومهما كان الخطأ جسيمًا، فلم يخطر على فكر أحد إن في إعلان هذا الخطأ اعتداء على كرامة من أخطأ.
3 - ألا ترى، فضلاً عن حالات الحكم الغيابي، والأوامر التي تصدر على العرائض، إن المحامي يواجه المحكمة، بأنها أخطأت، عند المرافعة بعد حكم تمهيدي صدر، وبعد تنفيذه فعلاً فيدلل على أن هذا الحكم قد صدر خطأ، ويطلب إلى نفس القاضي أو إلى نفس المحكمة التي أصدرته، أن تعدل عنه في مبدأه، وأن تمحو الأثر الذي صدر عنه، وأن تعلن بنفسها في حكم جديد، أنها قد أخطأت في قضائها الأول وأنها تعدل عن ذلك القضاء إلى قضاء جديد !!!
4 - ثم ألا ترى أن المحامي يواجه محكمة الاستئناف بأنها أخطأت في حكمها، ويطلب إليها أن تعدل عنه من طريق الالتماس ؟! ولا يدور في خلد أحد أن الشارع أراد في هذه الحالة الاعتداء على كرامة القضاة، والعبث باحترامهم !!
أين هذا الجلال، الصحيح، المُجسم، من القول بأن المحامي إذا قال للقاضي إن هذا خطأ فقد خرج عن حدود مأموريته واعتدى على ذلك الجلال الوهمي اعتداءً ؟!!
قلنا إن الاعتراض بالمواجهة يخالف الواقع، ونقول بعد هذا إنه يخالف ما نفهمه من آداب القاضي على وجهها الأكمل، لأن التفريق، بين القول بالخطأ مواجهة، والقول به في غيبته أمام محكمة أخرى، إلى حد جعل الأول اعتداء والثاني عملاً شرعيًا واجبًا، إنما معناه عجز القاضي عن إصلاح خطئه، وضيق نفسه عن سماع ملاحظة صادقة مهما كان الواجب فيها واضحًا !!
ثم نقول ثالثًا إن الاعتراض بالمواجهة وعدمها إنما يرجع في الواقع إلى أن القول بالخطأ في حالة الغياب لا يثير غضب النفس كما يثيره في حالة المواجهة، فينتقل بنا النظر إلى أن القاضي إذا غضب كان من حقه أن ينتقم، فنخرج بهذا عن أصول عقوبة الاعتداء، وحكمة تشريعها، وشرط تطبيقها، لأنها مقررة، لا إرضاء لشهوة الغضب، والغضب لا تشريع له، وليس من حق المخطئ أن يغضب، وليس من مظاهر العدل من جهته أن ينزل نقمته على من يرجو لخطواته السداد ويريد أن يبعده عن مواضع الزلل.
المسألة ترجع بنا دائمًا إلى التساؤل، هل وظيفة القاضي تتحمل التفاهم مع المحامي بيانًا للصواب والخطأ أو لا تتحمل ؟!
وقد وضح أنه لا مأمورية للمحامي غير هذا، ولا مأمورية للقاضي أيضًا غير سماع اعتراضات المحامي.
لا نقول إذن وجب أن نطلق العنان في الجلسة إلى حد التجاوز عن اللائق، فلا شك في أن المحامي من أدق واجباته، في أداء مهمته أن يكون حكيمًا، كلما وجد التصادم في الجلسة بين رأيه وبين رأي القاضي أو عمله، فعليه أن يختار من العبارات أحسنها فيكون إلى إدراك غرضه في الحادثة المعينة أقرب، وإلى اكتساب ثقة القضاة وتقديرهم لحسن أساليبه أمكن.
غير أنه إذا أخطأ السبيل فالمسألة مهارة فنية، ومقدرة في صناعة الكلام، لا تعلق لها بقانون العقوبات، ولا تتصل بحوادث الاعتداء، وقد يكون الخطأ بسيطًا فلا مسؤولية عليه غير أن يُعرف عن المحامي بأنه محدود الكفاءة في مهنته، وقد يكون الخطأ جسيمًا، فتبدأ المسؤولية التأديبية.
ومن هنا يظهر لك أيضًا أن حسن النية أصل مقرر في مناقشة المحامي، مهما ظهر في ألفاظها من دلائل الحدة، لأنه يؤدي واجبًا، وهذا هو قصده، وغرضه، فتحويل هذا القصد الشريف قانونًا، ونظامًا، إلى قصد سيئ، يستحق العقوبة، خروج بنا عن الموقف المقرر إلى نقيضه، وهو موضوع قضية معقدة، لا يتيسر لقاضي الجلسة أن يكون هو الفاصل فيها.
عشرون قاعدة قانونيه
القاعدة الاولى :
تنص المادة 66 من الدستور المصرى على انه " لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون " فكل فعل او ترك مباح اصلا اذا لم يرد تجريمه فلا مسؤلية على فاعله او تاركه 0 سند " وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا"
المادة 304 / 1 إجراءات " اذا كانت الواقعة غير ثابتة او كان القانون لا يعاقب عليها تحكم المحكمة ببراءة المتهم " *
القاعدة الثانية :
شخصية العقوبة00 سند " ولا تزر وازره وزر أخرى " *
القاعدة الثالثة :
مبدأ عدم جواز القياس او التوسع فى القانون الجنائى لإسناد جرائم الى المواطنين 0 وذلك حماية الحرية الفردية وربط العقوبة بوظيفتها فى تحقيق العدل 0 *
القاعدة الرابعة :
المادة 310 اجراءات جنائية اوجب المشرع ان يشتمل كل حكم بالادانة على بيان الواقعة المستوجبه للعقوبة بيانا تتحقق به اركان الجريمة بالظروف التى وقعت فيها والأدلة التى استخلصت منها الادانه حتى يتضح وجه استدلالها وسلامة مأخذها تمكينا لمحكمة النقض من مراقبة التطبيق القانونى على الواقعة كما صار اثباتها بالحكم وإلا كان قاصرا 0 *
القاعدة الخامسة :
تحقيق الادلة فى المواد الجنائية هو واجب المحكمة وعليها ان تقضى بالبراءة متى تشككت فى ثبوت الاتهام إلا ان حد ذلك ان تكون قد احاطت بظروف الدعوى وعناصرها عن بصر وبصيرة وخلا حكمها من الخطأ فى تطبيق القانون وعيوب التسبيب 0 *
القاعدة السادسة :
الحكم الجنائى بالادانة يجب ان يبنى على الجزم واليقين من الواقع ولا تؤسس على الظن والاحتمال ويكفى للقاضى ان لا يطمئن فى صحة اسناد التهمة للمتهم وان يقتنع ببراءة المتهم 0 *
القاعدة السابعة :
المشرع الجنائى أخص القاضى الجنائى بخاصية عن القاضى المدنى او التجارى إلا وهى حقه فى ان يقضى بوجدانه الامر الذى يستلزم معه البحث فى وقائع الدعوى المثارة أمامه للوصول الى الحقيقة فالعبرة فى المحاكمات الجنائية هى باقتناع قاضى الموضوع بناء على الادلة المطروحة بادانه المتهم او براءته امتثالا لقول الله تعالى : يا داود انا جعلناك خليفة فى الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ان اللذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب " صدق الله العظيم *
القاعدة الثامنة :
التحريات التى تجرى بمعرفة المباحث فى المسائل الجنائية من شروط صحة التحريات ان لا يتدخل مأمور الضبط القضائى فى خلق الجريمة بطريق الغش او الخداع او التحريض على مقارفتها والمناط فى ذلك هو اراده الجانى ويجب ان يعتمد مأمور الضبط على مصدر سرى صحيح غير مشبوه سند " ونفس ماسواها فألهمها فجورها وتقواها قد افلح من ذكاها وقد خاب من دساها *
القاعدة التاسعة :
ابطال القبض لازمة بالضرورة اهدار كل دليل انكشف نتيجة القبض الباطل وعدم الاعتداء به وبالادانه 0
القاعدة العاشرة :
استلزم ان يتحقق مأمور الضبط القضائى من قيام الجريمة بمشاهدتها بنفسه او بمشاهدته اثر من اثارها ينبئ بنفسه عن وقوعها او بإدراكها بحاسة من حواسه ولا يغنيه عن ذلك تلقى نبأها عن طريق الرواية او النقل من الغير شاهدا كان ام متهما يقر على نفسه 0 *
القاعدة الحادية عشر:
المادة 40 إجراءات جنائية لا يجوز القبض على اى إنسان او حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانونا 0 *
القاعدة الثانية عشر :
تقدير جديد التحريات وكفايتها لتسويغ اصدار الاذن بالتفتيش موكلا الى سلطة التحقيق التى اصدرته تحت رقابة محكمة الموضوع 0 *
القاعدة الثالثة عشر :
ان من حق محكمة الموضوع ان تستخلص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدى اليها اقتناعها ما دام استخلاصها سائغا مستندا الى ادله مقبولة فى العقل او المنطق ولها اصلها فى الاوراق سند " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " ومن شروط صحة التحريات ان يستخدم مأمور الضبط القضائى الوسائل المشروعة وان تكون متعلقة بجريمة ارتكبت فعلا حتى تدرء عن نفسه شبهه التلفيق الجنائى 0 *
القاعدة الرابعة عشر:
القصور فى تسبيب الاحكام " اوردت المادة 176 مرافعات نصها على انه يجب ان يشتمل الاحكام على الاسباب التى بنيت عليها وإلا كانت باطله 0 يقصد بتسبيب الاحكام بيان الادلة الواقعية والحجج القانونية التى بنى عليها القاضى حكمه فلا يأتى الحكم بأسباب عامة وجمل مبهمة 0 *
القاعدة الخامسة عشر:
" ضمانة تسبب الاحكام " 1- التحقيق ان القاضى قد اطلع على وقائع وجميع مستنداتها واتصال علمه بجميع ما ابداه الخصوم من طلبات ودفاع 2- التحقق ان القاضى قد استخلص من الوقائع الصحيحة فى الدعوى من واقع اثبات يجيزه المشرع فى مواجهة اصحاب الشأن 3- التحقق ان القاضى قد فهم وأحاط بالدعوى من مسائل قانونية وواقعية وانه كيفها التكييف القانونى الصحيح 0 4- التحقق ان القاضى لم يخل بدفاع جوهرى من شأنه لو صح لتغيير وجه الرأى فى الدعوى 0 *
القاعدة السادسة عشر:
" أهمية التسبيب "
1- هومظهرمن مظاهر قيام القاضى بما عليه من واجب فى البحث وإمعان النظر
2- العناية بحكمة وتوخى العدالة فى قضائه غير متأثر بقاعدة قانونية او دفع يبديه المتقاضيين دون بحث وتمحيص لمعرفة ان كان تطبيق هذه القاعدة يصل به الى تحقيق العدالة من عدمه
3- التسبيب يضفى الاطمئنان على نفوس المتقاضين ويقنع الخصوم بعدالة الاحكام حتى تنزل فى نفوس المتقاضين منزلة الاحترام
4- ان التسبيب يؤدى الى تحقيق الرقابة التى قررها القانون على اعمال القضاة
القاعدة السابع عشر:
" التسبب الكافى " وجوب تسبيب الاحكام تسببا كافيا وهناك امور معينه لا بد من توافرها لتحقيق كفاية الاسباب
1- يجب ان ترد الاسباب واضحة ومحدده
2- يجب ان ترد المحكمة اسبابا تبرز رأيها لكل طلب او دفع او دفاع جوهرى مما ابدى امامها
3- يجب ان تكون الادلة من شأنها ان تسوغ النتيجة التى انتهت اليها المحكمة 4- يجب ان تبين المحكمة القاعدة القانونية التى طبقتها على وقائع الدعوى 5- يجب ان يكون التسبيب حقيقيا يقنع المتطلع على الحكم بعدالته لا مجرد استيفاء شكل او تطبيق قاعدة قانونية0 *
القاعدة الثامنة عشر :
"الخطأ فى تطبيق القانون" يجب على المحكمة ان تستعين بقواعد التطبيق والسوابق القضائية ورأى الفقه فإذا اصدرت المحكمة بخلاف تلك الضوابط جاء النص القانونى الذى أعمله القاضى محل خلاف فى الحياة العملية وذلك يتبنى تنفيذا لا يتفق مع التطبيق الصحيح 0 *
القاعدة التاسعة عشر :
" الاثر الناقل للاستئناف " المادة 232 مرافعات الاستئناف نقل الدعوى بحالتها التى كانت عليها قبل صدور الحكم المستأنف بالنسبة لما دفع عند الاستئناف فقط 0
القاعدة العشرين :
1- على الدائن اثبات الالتزام وعلى المدين اثبات التخلص منه
2- البينة على من ادعى خلاف الظاهرواليمين على من انكر
3- صاحب الدفع هو المكلف بإثبات دفعه والمدعى هو المكلف بإثبات دعواه
4- حيث يعتبر الاصل فيما يتعلق بالحقوق الشخصية هو براءة الذمة وعدم المديونية
5- وان من يدعى خلاف الاصل فيقع عليه عبء الاثبات
6 - الاصل حسن النية وعلى من يدعى سوء نية خصمه ان يثبت ذلك
7 - الاصل فى الحقوق العينية ان من يباشر السلطة على شيء معين يكون هو صاحب الحق فيه
8 - والأصل فى دعوى المسؤلية المدنية بانتفاء الخطأ والضرر فيقع على عاتق مدعى المسؤلية اثبات هذين الركنين
9 - الاصل فى العقود الصحة والجدية وعلى من يدعى بطلانها او صوريتها ان يثبت ما يدعيه
10 - الاصل فى الاثراء على حساب الغير ان عبء الاثبات لإثراء المدعى عليه ومقدار هذا الاثراء يقع على عاتق المدعى الذى يطالب برد قيمة ذلك الاثراء
11 - الأصل في تقادم المسئولية فيقع على المدعي عليه في دعوى المسئولية وعليه أن يتمسك بالتقادم
12 - الاصل فى استعمال الحق خلوه من التعسف وعلى من يدعى التعسف اثباته
13 - الاصل فى الاجراءات انها تمت وروعيت وعلى من يدعى خلاف ذلك يقع عبء الاثبات عليه
14 - الاصل فى الشيك انه اداه وفاء فلا يثبت للساحب دينا فى ذمة المستفيد فإذا ادعى الساحب خلاف ذلك وجب عليه اثباته الزام خصم بتقديم مستند تحت يديه سند " فأتوا برهانكم ان كنتم صادقين
السبت، 27 يونيو 2015
عقود التأمين التجاريه
التعريف بعقد التأمين:
التأمين لغة:
التأمين مصدر للفعل الرباعي (أمَّن) بتشديد الميم المفتوحة، ومضارعها يؤمن.
وفي قواميس اللغة وروت كلمة (أمّن)، ومصدرها التأمين، بمعنى التأمين على الدعاء، وهو قول "آمين"، ومعناها: استجب، وليس لهذا المعنى صلة بالمعنى الاصطلاحي؛ إذ الاصطلاحي عقد مالي، وهذا قول طلبي.
وبالبحث في معاني (أمن) نجد لها معنيين: أحدهما: الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب. والثاني: التصديق، ومن أبرز مشتقات هذا الأصل:
• الأمن والأمنة: ضد الخوف.
• الإيمان: ضد الكفر، وهذا هو التصديق.
• الأمان: إعطاء الأمنة؛ أي الأمن.
ومن الاشتقاق الأخير أخذ عقد التأمين بمعناه الاصطلاحي، فقد ورد كما في المعجم الوسيط: "وأمن على الشيء: دفع مالاً منجمًا لينال هو أو ورثته قدرًا من المال متفقًا عليه، أو تعويضًا عما فقده، يقال أمن على حياته أو على داره أو على سيارته" [1].
المعنى الاصطلاحي:
يفرق بعض الدارسين بين التأمين كنظام أو نظرية أو فكرة وبينه كعقد، أو تطبيق، أو تصرف قانوني يحدد العلاقة بين الأطراف [2].
فمن النوع الأول ما جاء في الوسيط بأنه "تعاون منظم تنظيمًا دقيقًا بين عدد كبير من الناس معرضين جميعًا لخطر واحد، حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم تعاون الجميع على مواجهته بتضحية قليلة، يبذلها كل منهم يتلافون بها أضرارًا جسيمة تحيق بمن نزل الخطر به منهم لولا هذا التعاون" [3].
ويعرفه الزرقا بأنه "قواعد قانونية موضوعة يقصد بها في التشريع فسح المجال للتعاون على تفتيت آثار المخاطر وإزالتها عن عاتق المصاب، وذلك بطريق التعاقد بين جهتين: مؤمن يلتزم بتعويض المصاب عن الأضرار التي تلحقها الحوادث المؤمن منها، ومستأمن يلتزم بقسط من المال يدفعه للجهة المؤمنة لقاء التزامها بالتعويض عليه إذا وقع الحادث أوالخطر الاحتمالي" [4].
ويُعرّف التأمين كعقد أو نظام قانوني بأنه "عقد يلتزم المؤمَّن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمَّن له، أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغًا من المال أو إيرادًا مرتبًا، أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث، أو تحقق الخطر المبين في العقد، وذلك في نظير قسط أو أي دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له للمؤمن".
وهو مطابق للتعريف في القانون المدني السوري (م713) والمدني الليبي (م747)، وعرفه القانون المدني العراقي (م983) أنه: عقد يلتزم المؤمن أن يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد مبلغًا من المال أو إيرادًا مرتبًا، أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث المؤمن ضده، وذلك في مقابل أقساط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له للمؤمن، وعرفه قانون الموجبات والعقود اللبناني (م950) بما يلي:
"هو عقد بمقتضاه يلتزم شخص يقال له الضامن ببعض الموجبات عند نزول بعض الطوارئ بشخص المضمون له أو بأمواله مقابل دفع بدل يسمى القسط أو الفريضة" [5].
والذي يؤخذ من هذه التعاريف أن شخصًا يسمى المؤمن له أو المستأمن يتعاقد مع شخص آخر يسمى المؤمن، ويكون في الغالب شركة مساهمة، على أن يدفع الأول لهذه الشركة مبلغًا من المال، على شكل أقساط دورية، في مقابل التزام الشركة بأداء مبلغ مالي له أو لمن يعينه ويسمى المستفيد. إذا وقع حادث أو خطر مبيَّن في العقد، ونستطيع أن نستخلص من هذا التعريف عناصر عقد التأمين على الوجه التالي:
عناصر عقد التأمين
يؤخذ من تعريف التأمين السابق أن له عناصر ثلاثة لا يقوم بدونها، وهذه العناصر كما يصرح شراح القانون هي: الخطر المؤمن منه، ومبلغ التأمين، وقسط التأمين. فلا يتصور لعقد التأمين وجود بدون هذه العناصر مجتمعة.
1 - الخطر:
يقصد بالخطر في عقد التأمين الحادث الاحتمالي المستقبل، ومعنى كون الحادث احتماليًّا أنه قد يقع وقد لا يقع، دون أن يكون وقوعه متوقفًا على إرادة أحد العاقدين، بل إن ذلك موكول إلى القدر وحده، وذلك كموت المؤمن على حياته أو بقائه حيًّا إلى وقت معين، أو غرق البضاعة، أو حريق المنزل المؤمن عليه، فإن وقوع الحريق وعدم وقوعه، وبقاء إنسان حيًا في وقت معين وعدم بقائه أمر احتمالي قد يكون وقد لا يكون، وموت إنسان، وإن كان أمرًا محقق الوقوع.. إلا أن زمن وقوعه غير محقق.
وإذا كان شراح القانون يصرحون بأن الخطر أو الاحتمال هو "المحل الرئيسي" و"العنصر الجوهري" في عقد التأمين، وأنه "أصل للعنصرين الآخرين (قسط التأمين ومبلغ التأمين)" كان الغرر ملازمًا لعقد التأمين لا ينفك عنه، ولا يوجد بدونه. بل إن ذلك يجعل عقد التأمين ذاته غررًا بحيث لا يتأتى وصفه بأنه عقد لحقه غرر، أو اشتمل على الغرر، كما يقال في بعض العقود التي يتصور وجودها بدون الغرر، وفي هذا يقول أحد شراح القانون [6]: أما التزام المؤمن فهو التزام غير محقق؛ إذ هو التزام احتمالي وليس هو التزامًا معلقًا على شرط واقف، هو تحقق الخطر المؤمن فيه؛ لأن تحقق الخطر ركن قانوني في الالتزام وليس مجرد شرط عارض، ولو كان تحقق الخطر شرطًا واقفًا وليس مجرد شرط عارض؛ لأمكن تصور قيام التزام المؤمن بدونه التزامًا بسيطًا منجزًا، وهذا لا يمكن تصوره؛ لأن التزام المؤمن مقترن دائمًا بتحقق الخطر، ولا يمكن فصل الاثنين أحدهما عن الآخر.
والخطر في معناه الفني الدقيق عند رجال التأمين يختلف عن الخطر في عرف الاستعمال الذائع، فالخطر في عرف الاستعمال يعني كارثة يكرهها الإنسان ويخشى وقوعها؛ لأن وقوعها يصيبه بضرر في نفسه أو ماله، كالحريق والغرق وتلف المال، وقد يقصد رجال التأمين بالخطر هذا المعنى في الغالب من الحالات، كحالات التأمين من الحريق والسرقة، فإن الحريق والسرقة كوارث، بمعنى أنها أمور يكره الإنسان وقوعها ويصيبه من هذا الوقوع ضرر.
أما الخطر في مجال التأمين فله معنى أوسع من ذلك؛ لأنه يعني كل حادث احتمالي سواء كرهه الإنسان أم أحبه، ترتب على وقوعه ضرر أم لا، فالتأمين على الحياة لحالة البقاء، وتأمين الأولاد، وتأمين الزواج.. كل ذلك تأمين من أخطار لا يكرهها الإنسان، ولا يترتب على وقوعها ضرر بالنفس أو بالمال، فالحياة أمر مرغوب فيه، وكذا إنجاب الأولاد والزواج. ففي التأمين على الحياة لحالة البقاء يتقاضى المؤمن له مبلغ التأمين إذا بقي حيًّا إلى تاريخ معين، وبقاؤه حيًّا إلى هذا التاريخ أمر مرغوب فيه لا يكرهه المؤمن له؛ لأنه لا يترتب على بقائه حيًّا أي ضرر في ماله أو جسمه، وفي تأمين الأولاد يتقاضى المؤمن له مبلغ التأمين كلما رزق بولد، وهو أمر لا يكرهه المؤمن له؛ لأنه لا يصيبه بضرر في نفسه أو ماله، ولذلك رأينا قوانين التأمين تنص في هذه الأنواع من التأمين على استحقاق مبلغ التأمين عند وقوع الخطر، ولو لم يترتب على وقوعه أي ضرر، بل ولو كان وقوع الخطر مفيدًا للمؤمن له أو للمستفيد، ولقد شاع بين شراح القانون أن التأمين على الأشخاص ليست له صفة تعويضية، بمعنى أن المؤمن له يستحق مبلغ التأمين عند وقوع الخطر دون حاجة إلى إثبات ضرر أصابه من جراء وقوعه، بل ولو ثبت يقينًا أنه لم يصبه من وقوعه أي ضرر [7].
2 - قسط التأمين:
قسط التأمين هو محل التزام المستأمن، وهو العوض الذي يبذله لشركة التأمين في مقابل تعهدها بدفع مبلغ التأمين، عند وقوع الخطر.
وهناك علاقة وثيقة بين قسط التأمين ومبلغ التأمين من جهة، وبينه وبين الخطر المؤمن منه من جهة أخرى، فشركات التأمين تحدد قيمة القسط على أساس مبلغ التأمين المتفق عليه، بحيث يزيد القسط بزيادة هذا المبلغ وينقص بنقصه، وهي من جهة أخرى تحدد قسط التأمين على أساس الخطر المؤمن منه، بحيث إذا زاد الخطر ارتفع القسط وبالعكس، وهذا هو ما يعرف بمبدأ "نسبية القسط إلى الخطر" عند شراح القانون، والأصل في القسط أن يكون مبلغًا ماليًّا ثابتًا يدفع بصفة دورية كل شهر أو كل سنة مثلاً، وهذا ما يجري عليه العمل في شركات التأمين. ولذلك يسمى التأمين في هذه الحالة بالتأمين ذي القسط الثابت، غير أن مبلغ التأمين قد يكون أقساطًا متغيرة، ويطلق عليها اشتراكات التأمين، فهي تقل وتكثر من سنة لأخرى، وهذا هو الحال في جمعيات التأمين التبادلي، فإن الاشتراك الذي يدفعه العضو في هذه الجمعيات يحسب على أساس المبالغ الفعلية التي صرفت في خلال سنة التأمين إلى من تضرروا من وقوع الأخطار المؤمن منها من أعضاء الجمعية، وهذه الاشتراكات أو الأقساط، وإن جمعت مقدمًا بطريقة متساوية إلا أن إدارة الجمعية تقوم بعمل تسوية في نهاية العام، بحيث ترد للعضو ما زاد، وتأخذ منه ما نقص عما يخصه في تعويض الأضرار، وتكون النتيجة أن هذه الجمعيات لا تتقاضى من أعضائها إلا مقدار ما يكفي لجبر ما وقع لبعضهم من ضرر دون زيادة أو نقص.
وهذا يخالف ما يجري عليه العمل في الشركات المساهمة، فإنها تتقاضى من مجموع المستأمنين أكثر مما تدفعه لمن وقع عليه الضرر منهم، وهذه الزيادة تمثل مصاريف الإدارة، وربح الأسهم التي يتكون منها رأسمال هذه الشركات، ويترك لشركة التأمين وحدها تحديد قيمة مصروفات الإدارة وأرباح الأسهم دون تدخل من المستأمنين في هذا التقدير. أما جمعيات التأمين التبادلي فإن الأعضاء فيها هم الذين يحددون مصاريف الإدارة ويوافقون عليها؛ إذ الغرض أنه ليس في هذه الشركات مؤمن ومستأمن.. بل كل الأعضاء يجمعون بين هاتين الصفتين [8].
3 - مبلغ التأمين:
مبلغ التأمين هو محل التزام شركة التأمين؛ فشركة التأمين تتعهد بمقتضى عقد التأمين بأن تدفع للمؤمن له أو للمستفيد الذي يعينه مبلغ التأمين، عند وقوع الخطر أو الحادث المؤمن منه، في مقابل الأقساط التي يدفعها المستأمن لهذه الشركة، ويؤكد شراح القانون على أن "مبلغ التأمين" وهو التزام في ذمة المؤمن، هو المقابل لقسط التأمين، وهو التزام في ذمة المؤمن له، ومن ثَم كان عقد التأمين عقدًا ملزمًا للجانبين.
ومبلغ التأمين دين في ذمة المؤمن، يكون تارة دينًا احتماليًّا، وتارة دينًا مضافًا إلى أجل غير معين، فإن كان الخطر المؤمن منه غير محقق الوقوع كان مبلغ التأمين دينًا احتماليًّا، وأما إذا كان هذا الخطر محقق الوقوع في المستقبل، ولكن وقت وقوعه غير معروف؛ كان مبلغ التأمين دينًا في ذمة المؤمن مضافًا إلى أجل غير معين. ففي التأمين على الحياة يكون الخطر المؤمن منه هو الموت، وهو أمر محقق الوقوع، ولكن لا يعرف ميعاد وقوعه، فيكون مبلغ التأمين دينًا في ذمة المؤمن مضافًا إلى أجل غير معين. وفي التأمين من الأضرار، سواء كان تأمينًا على الأشياء، كالتأمين من الحريق، أو كان تأمينًا من المسئولية.. يكون الخطر منه وهو وقوع الحريق مثلاً أو تحقق المسئولية أمرًا غير محقق الوقوع، فيكون مبلغ التأمين دينًا احتماليًّا في ذمة المؤمن [9].
رأي الفقهاء في عقد التأمين
اختلف الفقهاء حول حكم التأمين، فنظر بعضهم إلى التأمين كنظام تعاوني، الغرض منه المواساة والتراحم بين الأفراد المعرضين لخطر واحد، وبناء على ذلك أفتى بالجواز.
ونظر البعض الآخر إلى التأمين كعقد يشتمل على الغرر والمقامرة والربا، فأفتى بالحرمة.
وأول مَن تكلَّم عن التأمين من فقهاء المسلمين هو الفقيه محمد أمين بن عمر المشهور بابن عابدين الدمشقيّ الحنفيّ المُتَوَفَّى سنة 1252هـ = 1836م، وذلك في كتابه "رد المحتار شرح تنوير الأبصار"، وهو الكتاب المشهور باسم: "حاشية ابن عابدين"، وفي كتابه: "أجوبة محققة عن أسئلة متفرقة".
ويرى ابن عابدين: لو أن تاجرًا استأجر مركبًا تَحْمِلُ بضاعةً تأتيه من خارج بلاد الإسلام، ودَفَعَ أُجرة النقل، ثم دفع مالاً معلومًا لشخص في خارج بلاد الإسلام، على أن يضمن ذلك الشخص سلامة التجارة؛ فإذا هلك منها شيء فذلك الشخص ضامن لما هلك؛ فإن ذلك يكون حرامًا، أي لا يَحِلُّ لهذا التاجر المسلم أن يأخذ عِوَضًا عما هَلَكَ من تجارته.
يقول ابن عابدين رحمه الله: "وبما قررناه يظهر جواب ما كثر السؤال عنه في زماننا، وهو: أنه جرت العادة أن التجار إذا استأجروا مركبًا من حربي يدفعون له أجرته، ويدفعون أيضًا مالاً معلومًا لرجل حربي مقيم في بلاده، يسمى ذلك المال سوكرة، على أنه مهما هلك من المال الذي في المركب بحرق أو غرق أو نهب أو غيره، فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم، وله وكيل عنه مستأمن في دارنا يقيم في بلاد السواحل الإسلامية بإذن السلطان يقبض من التجار مال السوكرة، وإذا هلك من مالهم في البحر شيء يؤدي ذلك المستأمن للتجار بدله تمامًا والذي يظهر لي: أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله؛ لأن هذا التزام ما لا يلزم. فإن قلت: إن المودع إذا أخذ أجرة على الوديعة يضمنها إذا هلكت، قلت: ليست مسألتنا من هذا القبيل؛ لأن المال ليس في يد صاحب السوكرة بل في يد صاحب المركب، وإن كان صاحب السوكرة هو صاحب المركب يكون أجيرًا مشتركًا قد أخذ أجرة على الحفظ، وعلى الحمل، وكل من المودع والأجير المشترك لا يضمن ما لا يمكن الاحتراز عنه كالموت والغرق ونحو ذلك.
فإن قلت: سيأتي قبيل باب كفالة الرجلين، قال أحدهما لآخر: اسلك هذا الطريق؛ فإنه آمن فسلك، وأخذ ماله لم يضمن، ولو قال: إن كان مخوفا وأخذ مالك فأنا ضامن ضمن، وعلله الشارح هنالك بأنه ضمن الغار صفة السلامة للمغرور نصا (أي بخلاف الأولى)، فإنه لم ينص على الضمان بقوله فأنا ضامن، وفي جامع الفصولين الأصل أن المغرور إنما يرجع على الغار لو حصل الغرور في ضمن المعاوضة، أو ضمن الغار صفة السلامة للمغرور؛ فيصار كقول الطحان لرب البر: اجعله في الدلو، فجعله فيه، فذهب من النقب إلى الماء، وكان الطحان عالما به يضمن؛ إذ غره في ضمن العقد وهو يقتضي السلامة ا هـ.
قلت: لا بد في مسألة التغرير من أن يكون الغارّ عالما بالخطر كما يدل عليه مسألة الطحان المذكورة، وأن يكون المغرور غير عالم؛ إذ لا شك أن رب البر لو كان عالما بنقب الدلو يكون هو المضيع لماله باختياره، ولفظ المغرور ينبئ عن ذلك لغة لما في القاموس: غره غرا وغرورا فهو مغرور وغرير: خدعه وأطمعه بالباطل فاغتر هو ا.هـ.
ولا يخفى أن صاحب السوكرة لا يقصد تغرير التجار، ولا يعلم بحصول الغرق هل يكون أم لا. وأما الخطر من اللصوص والقطاع فهو معلوم له وللتجار؛ لأنهم لا يعطون مال السوكرة إلا عند شدة الخوف طمعا في أخذ بدل الهالك، فلم تكن مسألتنا من هذا القبيل أيضا، نعم: قد يكون للتاجر شريك حربي في بلاد الحرب، فيعقد شريكه هذا العقد مع صاحب السوكرة في بلادهم، ويأخذ منه بدل الهالك، ويرسله إلى التاجر فالظاهر أن هذا يحل للتاجر أخذه لأن العقد الفاسد جرى بين حربيين في بلاد الحرب، وقد وصل إليه مالهم برضاهم فلا مانع من أخذه، وقد يكون التاجر في بلادهم، فيعقد معهم هناك، ويقبض البدل في بلادنا أو بالعكس، ولا شك أنه في الأولى إن حصل بينهما خصام في بلادنا لا نقضي للتاجر بالبدل، وإن لم يحصل خصام ودفع له البدل وكيله المستأمن هنا يحل له أخذه؛ لأن العقد الذي صدر في بلادهم لا حكم له؛ فيكون قد أخذ مال حربي برضاه، وأما في صورة العكس بأن كان العقد في بلادنا والقبض في بلادهم فالظاهر أنه لا يحل أخذه، ولو برضا الحربي لابتنائه على العقد الفاسد الصادر في بلاد الإسلام، فيعتبر حكمه هذا ما ظهر لي في تحرير هذه المسألة فاغتنمه فإنك لا تجده في غير هذا الكتاب" [10].
وحجة هذا الفريق أن هذا العقد من عقود المعاوضات، وقد اشتمل على غرر فاحش، والغرر الفاحش يفسد عقود المعاوضات، كما اشتمل على الربا والمقامرة، والغرر الموجود في عقد التأمين غرر كبير فاحش؛ لأنه يتعلق بحصول العوضية ومقدارها؛ فجميع عقود التأمين التجاري تتضمن الغرر في الحصول أو الوجود؛ لأن مبلغ التأمين الذي وقع العقد عليه قد يحصل عليه المستأمن وقد لا يحصل.
أما اشتماله على الربا فيأتي من كون حقيقة عقد التأمين التجاري هي بيع نقد بنقد؛ حيث يتفق المستأمن مع شركة التأمين على أن يدفع قسط التأمين مقابل أن يأخذ مبلغ التأمين عند حدوث الخطر، والمبلغ الذي يأخذه المستأمن بعد أجل يحتمل أن يكون مساويا لما دفعه أو متفاضلاً؛ فإن كان مساويا وأخذه بعد أجل كان ربا نسيئة، وإن كان متفاضلاً وأخذه بعد أجل كان ربا فضل وربا نسيئة، وهذا الربا يفسد عقد التأمين بالإجماع.
والمقامرة متحققة في عقد التأمين؛ لأن المستأمن لا يعرف إن كان سيحصل على العوض أو لا؛ لأن حصوله عليه متوقف على حدوث الخطر.
كما يرى هذا الفريق من العلماء أن عقد التأمين في جوهره يعتبر بيع دين بدين من حيث إن الأقساط التي يدفعها المستأجر دين في ذمته، ومبلغ التأمين الذي ستدفعه الشركة دين في ذمتها؛ فهو بيع دين بدين، وهذا لا يصح باتفاق الفقهاء [11].
إن عقد التأمين يتضمن الغرر على كل حال، وفي جميع أنواع التأمين؛ لأن المستأمن لا يدري وقت إبرام العقد: إن كان سيحصل على مبلغ التأمين وهو العوض الذي دفع الأقساط في مقابلته، أم لا، وحتى في الحالات التي يتأكد فيها من الحصول على مبلغ التأمين، في التأمين على الحياة لحالة الموت؛ فإنه لا يدري متى يحصل على هذا المبلغ، وذلك لأن أجل المؤمن على حياته غير معلوم، وهو جهل فاحش في أجل الالتزام يبطل المعاوضة باتفاق الفقهاء. فالغرر واقع في جميع عقود التأمين وعلى كل حال؛ لأنه إما غرر واحتمال في الحصول وعدم الحصول، وإما غرر واحتمال في وقت الحصول، وكلاهما غرر مؤثر باتفاق الفقهاء وليس لمبلغ التأمين الذي يستحقه المستأمن عند وقوع الخطر حد في التأمين على الأشخاص، بل إن المستأمن يستحق ما وقع الاتفاق عليه مع شركة التأمين، دون نظر لحصول ضرر له من جراء وقوع الخطر، أو عدم حصوله، ودون نظر إلى مقدار ذلك الضرر إن كان، ويعبر شراح القانون عن هذا الحكم بقولهم: إن مبلغ التأمين في التأمين على الأشخاص ليست له صفة تعويضية؛ لأن المقصود منه ليس جبر الضرر؛ فقد لا يترتب على وقوع الخطر المؤمن منه في التأمين على الأشخاص أي ضرر، بل وقد يفيد منه المستأمن أو من شرط له مبلغ التأمين، بل المقصود -كما ذكرنا من قبل- الادخار وتكوين رؤوس الأموال.
أما التأمين من الأضرار فإنه يخضع لمبدأ التعويض، فما يتقاضاه المؤمن له في هذا النوع من التأمين لا يزيد عن مقدار الضرر الذي أصابه بسبب وقوع الحادث المؤمن منه، وفي حدود مبلغ التأمين المتفق عليه، فإذا لم يحصل للمؤمن له ضرر من وقوع هذا الحادث، أو حصل وعوضه المسئول عن وقوعه، لم يستحق شيئًا من مبلغ التأمين.
ومن نتائج الصفة التعويضية في هذا النوع من التأمين أن المؤمن له لا يستطيع أن يجمع بين ما تدفعه له شركة التأمين من تعويض، وما قد يستحقه قبل المسئول عن إيقاع الضرر به؛ كالمسئول عن الحريق مثلاً، وذلك بخلاف التأمين على الأشخاص؛ فإن المؤمن له يستحق مبلغ التأمين ولو لم يصبه وقوع الخطر المؤمن منه بضرر، كما يحق له أن يجمع بين مبلغ التأمين وما يحكم له به من تعويض على المسئول عن الوفاة أو الإصابة؛ ذلك أن المقصود من التأمين على الأشخاص -كما قلنا- ليس هو تعويض المؤمن له عن ضرر قد يتعرض له من جراء وقوع الخطر المؤمن منه.. بل المقصود به الادخار وتكوين رأس مال [12].
وذهب فريق آخر [13] إلى جواز هذا العقد، واستدلوا لذلك بما يلي:
أن عقد التأمين يشبه نظام العاقلة، الذي اتفق الفقهاء على مشروعيته، ووجه الشبه بين عقد التأمين ونظام العاقلة تخفيف أثر المصيبة عن المصاب عن طريق توزيع العبء المالي على جميع المشاركين. كما استدلوا على مشروعيته بعقد الموالاة، وهذا أن يقول مجهول النسب لمعروف النسب: "أنت وليي ترثني إذا مت، وتعقل عنى إذا جنيت"، وعقد التأمين يشبه عقد الموالاة من حيث طرفا العقد وعوضاه؛ فالمؤمن يشبه مولى الموالاة، والمستأمن يشبه المعقول عنه، والعوض يشبه الدية التي يدفعها مولى الموالاة.
واستدلوا له أيضا بضمان خطر الطريق، وهو أن يقول رجل لآخر: "اسلك هذا الطريق؛ فإنه آمن، وإن أصابك فيه شيء فأنا ضامن"، فسلكه فأُخذ ماله ضمن القائل، فالشركة التزمت الضمان كما أن القائل التزمه، كما قاسوا عقد التأمين التجاري على التأمين التعاوني أو الضمان الاجتماعي، وهو جائز باتفاق الفقهاء المعاصرين..
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)